فصل
ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما صوف به نفسه أو وصفه به رسوله وما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل وتعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته .
ولا في أفعاله فكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقه العدم ولا فتقار المحدث إلي محدث ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى .
ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته .
وكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل مثلوا أولا وعطلوا آخراً وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى فإنه إذا قال قائل لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون اكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً وكل ذلك من المحال ونحو ذلك من الكلام فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام وصار هذا مثل قول المثل إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً إذ لا يعقل موجود إلا هذان وقوله إذا كان مستوياً على العرش فهو لاستواء الإنسان على السرير والفلك إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه وامتاز الأول بتعطيل كل أسم للاستواء الحقيقي وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء لا يليق بجلاله ويختص به فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها .
واعلم أ،ه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير .
ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وانه مضطر فيها إلي التأويل ومن يحيل أن الله علماً وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول إن العقل أحال ذلك فاضطر إلي التأويل بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلي التأويل ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلي التأويل ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعى الآخر أن العقل أحاله ياليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة فرضى الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال " أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلي محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء وكل ممن هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه ( أحدها ) بيان أن العقل لا يحيل ذلك و( الثاني ) أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل و ( الثالث ) أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بصلاة الخمس وصوم شهر رمضان فالتأويل الذي يحليها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات (الرابع ) أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه مجملاً إلي غير ذلك من الوجوه على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلي اليقين في عامة المطالب الإلهية فإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه .
* * *
ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى [ البقرة 8 ] : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة:8) وقال تعالى [ لقمان 28 ] (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان:28) وقال تعالى [ الروم 27 ] (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ )(الروم: من الآية27) وقد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده به معلوم للمؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره بذلك وأنصح من غيره للأمة وأفصح من غيره عبارة وبياناً بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص عمله وإما من عجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه وعلمه بذلك أكمل العلوم فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه وأكمل بياناً منه أو أحرص على هدى الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين .
والصحابة والتابعون لهم بإحسان إلي يوم ومن سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الاستقامة وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف أهل التخييل وأهل التأويل وأهل التجهيل.
فأهل التخيل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه فإنهم يقولون إن ما ذكر الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخيل للحقائق لينتفع به الجمهور لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق ثم هم على قسمين منهم من يقول إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه ويقولون إن من المتفلسفة الإلهية من علمها وكذلك من الأشخاص الذي يسمونهم الأولياء من علمها يزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية : باطنية الشيعة وباطنية الصوفية ومنهم من يقول : بل الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما
تكلم بما ينقصها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق ويقول هؤلاء يجب على الرسول أن يدعو الناس إلي اعتقاد الجسيم مع أنه باطل وإلي اعتقاد معاد الأبدان مع انه باطل ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل قالوا لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم يجريها هذا المجرى ويقول إنما يؤمن بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية الملاحدة الإسماعيلية ونحوهم .
وأما أهل التأويل فيقولون إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرف الحق من غير جهته وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك .
والذين قصدنا الرد في هذه الفتيا عليهم هم هؤلاء إذا كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات فقالوا لهم نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بمعان الأبدان وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه وأهل السنة يقولون لهؤلاء ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات ونصوص الصفات في الكتب الإلهية اكثر وأعظم من نصوص المعاد ويقولون لهم معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه بخلاف.
الصفات فإنه لم تكن العرب تنكرها فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات فكيف يجوز منع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس ما أخبر به وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به .
وأيضاً فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات ضحك تعجباً وتصديقاً لها ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة لأهل الإثبات على لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك بل عابهم بقولهم [ المائدة 64 ] ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة)(المائدة: من الآية64)وقولهم [ آل عمران 181 ] ( إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء)(آل عمران: من الآية181) وقولهم : إنه استراح لما خلق السماوات والأرض فقال تعالى [ سورة ق 38 ] (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (قّ:38) والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول ألوى بالبطلان
وأما الصنف الثالث وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلي السنة وأتباع السلف يقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك وكذلك قولهم في أحاديث الصفات إن معناها لا يعلمه إلا الله مع أن الرسول تلكم بها ابتداء فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه .
وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى [ آل عمران 7 ] : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه)(آل عمران: من الآية7) فإنه وقف أكثر السلف على قوله ) وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه) وهو وقف صحيح لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره وبين التأويل الذي أنفرد الله تعالى بعلمه وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك فإن لفظ " التأويل " يراد به ثلاث معان :
فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك وأن النصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون .
ثم كثير من هؤلاء يقولون تجرى على ظاهرها فظاهرها مراد مع قولهم إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلي السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم .
والمعنى الثاني أن التأويل هو تفسير الكلام سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله [ آل عمران 7] ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )(آل عمران: من الآية7) كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد ابن جعفر نب الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم وكلا القولين حق باعتبار كما بسطناه في موضع آخر ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق .
والمعنى الثالث أن التأويل هو الحقيقة التي يئول الكلام إليها وإن وافقت ظاهره فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ويعبر عنه باللسان وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال عن يوسف أنه قال [ يوسف 100 ] ( يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً)(يوسف: من الآية100) وقال تعالى في [ الأعراف 53 ] (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق)(لأعراف: من الآية53) وقال تعالى [ النساء 59 ] ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء: من الآية59) وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها وهو الكيف مجهول فالاستواء معلوم بعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم وأما " كيفية " ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى .
وقد روى عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال " تفسير القرآن على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب وهو كما قال تعالى [ السجدة 17 ] (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة:17) قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى [ سورة محمد 24 ] (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24) وقال [ المؤمنون 68 ] (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَم)(المؤمنون: من الآية68) فأمر بتدبير القرآن كله لا بتدبير بعضه وقال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله ابن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فهيا من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً وقال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلي خاتمته أقف عند كل آية وأسأل عنها وقال الشعبي ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها وقال مسروق ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه وهذا باب واسع قد بسط في موضعه .
والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن من جعل الرسول غير عالم بمعنى القرآن الذي أنزل إليه ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات ولم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس .
ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية فلا يجعلون عند الرسول وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوماً عقلية ولا سمعية وهم شاركوا الملاحدة في هذا من وجوه متعددة وهم مخطئون فيما نسبوا إلي الرسول صلى الله عليه وسلم وإلي السلف من الجهل كما أخطأ ف يذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة .
ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم إلي غير ذلك من والوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم روى أبو بكر البيهقي في " الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم : مالك إمام أهل الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث إمام أهل مصر والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه النافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا وروى أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " عن الأوزاعي قال سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا أمروها كما جاءت وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا أمروها كما جاءت وفي رواية قال قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف وقولهم رضي الله عنهم " أمروها كما جاءت " رد على المعطلة وقولهم ط بلا كيف " رد على الممثلة والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن مسلمة وأمثالهما.
وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال سمعت مالك ابن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول قال عمرو بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا .
وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال : سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عنه قوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) كيف استوى قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلنيا بالتصديق وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه ومنها ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحي قال كان عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعاً فأمر به أن يخرج " فقول ربيعة ومالك " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب " موافق لقول الباقين " أمرها كما جاءت بلا كيف " فإنما نفوا علم الكيفية ولم يفوا حقيقة الصفة ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول " ولما قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف " فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهول بمنزلة حروف المعجم وأيضاً فإنه لا يحتاج إلي نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى إنما يحتاج إلي نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات وأيضاً فإن ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلي أن يقول " بلا كيف " قمن قال عن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف لو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف وأيضاً قولهم " أمروها كما جاءت " يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ " بلا كيف " إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول .
وروى الأثرم في " السنة " وأبو عبد الله بن بطة في " الإبانة " وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذي هم مالك بن أنس وابن المجاشون وابن أبي ذئب وقد سئل عما جحدت به الجهمية " أما بعد فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فقات عظمته الوصف والتدبر وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول دون معرفة قدرته وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهي حسيرة وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق بالتقدير وإنما يقال " كيف " لمن لم يكن مرة ثم كان فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى وكيف يكون لصفته شيء منه حد أو منتهى يعرفه العارف أو يحد قدره واصف على انه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغراً
يحول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد السادة وربهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
اعرف رحمك الله غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قد ما وصف منها إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزجر به عن شيء من معصيته فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً فقد [ الأنعام 71 ] ( اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَان)(الأنعام: من الآية71 فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف به الرب وسمى من نفسه بأن قال لابد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فمعمى عن البين بالخفى فجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله عز وجل (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (القيامة:22) (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23) فقال " لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلي وجهه نضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون " إلي أن قال " وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحداً وقال المسلمون يا رسول الله هل ترى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب " قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلي بعض " وقال لثابت بن قيس " لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة " وقال فيما بلغنا " إن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب إن ربنا ليضحك قال نعم قال لا نعدم من رب يضحك خيراً " في أشياء لهذا مما لا تحصيه وقال تعالى ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) وقال [ الطور 48 ] (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا )(الطور: من الآية48) وقال تعالى [ طه 29 ] ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)(طـه: من الآية39) وقال تعالى [ ص 75 ] ( مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ)(صّ: من الآية75) وقال تعالى [ الزمر 67 ] ( وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(الزمر: من الآية67) فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه ما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرهما منهم عندهم إن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم فم