كتاب الحج
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا هو شرح كتاب الحج من كتاب بلوغ المرام، للإمام الحافظ العلامة بن حجر العسقلاني-رحمة الله تعالى عليه-نسأل الله-عز وجل-أن ينفع فيها بالقول والعمل، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.
الحج ركن الدين، وقد جاء في حديث عبادة بن الصامت-رضي الله تعالى عنه وأرضاه-أنه من أركان هذا الدين: "بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً"،
وقد كان فقه العبادة فقهان، فقه في القصد والتوجه والنية، وفقه في العمل، فإنه حريٌ بالإنسان أن يربي نفسه على فقه العبادة الأكبر، وهي توجيهها لله عز وجل لا لسواه، وأن ينبعث فيها بالعمل لله سبحانه وتعالى.
ثم يأتي فقه الحدود والأحكام الدقيقة، وهو فقه آخر لا يقل عنه منزلة، ولكن لب العبادة، في توجيهها لله عز وجل، ثم أمر آخر وهي شرط من شروط هذه العبادة أيضاً لا يقل عن الأول وهو أن يُقام على وفق ما أراده الله عز وجل ورسولـه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ذكر المصنف-رحمة الله تعالى عليه-جملةً من الأحاديث التي اختارها لتكون هي أحاديث الأحكام في باب الحج من كتابه العظيم "بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، وذكر في ذلك الحديث الأول، وهو حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-قال: "العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس لـه جزاءٌ إلا الجنة".
هذا الحديث فيه فوائد:
الأولى: فضل العمرة، وأعظم فضل يحصله المسلم هو أن تكفر العبادة سيئاته وخطاياه، فهو هنا قال: "العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس لـه جزاءٌ إلا الجنة". ففيه فضل الحج والعمرة، فالحج ليس لـه جزاءٌ إلا الجنة، والعمرة إلى العمرة هي كفارة لما بين العمرتين.
الثانية: هل هي كفارة للكبائر؟ أو هي كفارة للصغائر كما دل الحديث الآخر على بعض أصناف العبادة، حين قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر"، فالشرطية هنا واضحة، أو استثناء الكبائر من التكفير واضحٌ بينٌ كما ترى، ولكن هل ينسحب هذا وينطلق أيضاً هذا الحكم على العمرة أو ما بين العمرتين؟
ذهب الوزير بن هبيرة-رحمة الله تعالى عليه-بأن ما ذكر في الحديث الآخر "الصلوات الخمس....إلخ" هي صنف من أصناف العبادة، وما ذكر هنا في هذا الحديث هو صنف آخر-هذا معنى كلامه-والمراد أنها تكفر كل شيء حتى الكبائر، والأمر في ذلك يسير ولو أخذ الإنسان في ذلك بالحزم والعزم، وهو ما دام المسألة فيها خلاف ألا يعتبرها مكفرة للكبائر، حتى لا يتكل على عمله وعلى ما أتى بين العمرتين من كبائر أنها قد كُفرت، فيتوب ويستغفر.
الثالثة: الحج المبرور ليس لـه جزاءٌ إلا الجنة، ما هو المبرور؟
المبرور: قيل هو المقبول، وقيل هو الذي لا معصية فيه، وقيل هو الذي لا إثم فيه، وقيل هو الذي تظهر آثار التوبة والقبول بعده، بمعنى أنه يقبل على الخير ويبتعد عن المعاصي، وينشرح قلبه لطاعة الله عز وجل.
وانشراح الصدر وعدم إتيان المعاصي لا ينبغي أن يؤخذ علامة، والعلامة هو ما دل عليه لفظ الحديث "المبرور"، والمقصود ليس أن نتعرف بعد الحج أنه قد غفرت لنا ذنوبنا وخطايانا، هل هذا هو المطلوب، ما مقصد الحديث، هل مقصده أننا نتعرف أنه قد غفرت لنا ذنوبنا وخطايانا؟ لا، المقصود في الحديث هو أن نقيم الحج على وفق مراد الله عز وجل، وعلى مراد رسولـه-صلى الله عليه وسلم-فنأتي فيه بالواجبات، ونبتعد فيه عما نهى الله عز وجل عنه، سواءً كانت واجبات في الحج أو في غير الحج، كإقامة الصلاة ومثلاً، فالإنسان يقيم الواجبات في الحج وفي غير الحج، أو الواجبات التي ليست من جنس الحج كالصلوات وصلة الرحم والزكاة الواجبة وغير ذلك من الأعمال التي قد تجب عليه أثناء حجه، والقيام بالواجبات التي هي في عمل الحج.
ثم أيضاً ترك المنكرات والمحرمات التي تكون في الحج كفعل المحظورات، وترك الواجبات في الحج، أو التي هي ليست من جنس أعمال الحج، كالتي يقع فيها الحجاج من أنواع المعاصي، أو كانت معاصي أيضاً قد نُص فيها على النهي فيها في الحج على الخصوص، مثل الرفث والفسوق، والجدال وغيرها مما دلت عليه النصوص.
وإذا تأملت في قولـه "مبرور" مفعول أي أنه فيه البر، رأيته مشتملاً على جميع هذه المعاني، فعل الواجبات من جنس أعمال الحج وغيرها، ترك المحرمات مما يكون في الحج ومما يكون في غير أعمال الحج منفصلاً عنه، وكذلك أيضاً كل عمل صالح طيب.
لذلك حين نبهت في قضية معرفة الحج المبرور من غيره أن بعض أهل العلم من شُراح هذه الأحاديث تكلف في معرفة آثار الحج المبرور بعد الحج، وهذه ليست مقصد الشريعة ولا دل عليه الحديث، وإنما الحديث حثنا على أن نقوم بالحج كما أمرنا الله عز وجل.
الرابعة: تكرار العمرة، دل الحديث كما ترى على مطلق تكرار العمرة، فمعناه أنك تأتي بالعمرة بعد العمرة، مجرد ما تحلق شعرك أو تقصره تذهب إلى التنعيم أو إلى أدنى الحل أو إلى أي مكان في أدنى الحل كما يفعل بعض الحجاج والمعتمرين إذا جاءوا إلى مكة، فما هو الحد الضابط هنا؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الضابط في تكرار العمرة أنه إذا نبت من الشعر ما يكفي لحلقه، وقدره الإمام أحمد بعشرة أيام، وإن كان الناس يختلفون في طريق نمو الشعر، وقدره آخرون بالشهر أن يكون فيه مرة أو مرتين، كذا روي عن بعض التابعين-رحمة الله تعالى عليهم-وقدره بعضهم بأن يكون في السفرة الواحدة، وقدره آخرون بأنه يكون في السنة الواحدة لأن النبي-صلى الله عليه وسلم-ما اعتمر في السنة الواحدة أكثر من مرة.
فالأقوال متعددة متنوعة، ولكن مما لا ينبغي أن نختلف فيه أن العمرات المتتابعة المتتالية أنها ليست من هدي السلف من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فلم يكن الصحابة رغم أنهم من أحرص الناس على الخير لم يكونوا يأخذون بعموم هذا الحديث ليتابعوا العمرة تلو العمرة، وكانوا قد أتوا من أقطار الجزيرة وتواردوا على شظف من العيش، وشقة من الطريق وفقرٍ وعوز، ومع ذلك ما رأيتهم يكررون العمرة حين قدموا إلى مكة مع النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، هذا هو ظاهر هدي الرسول والصحابة-رضي الله عنهم وأرضاهم-.
لذلك يقول طاووس بن كيسان اليماني-رحمة الله تعالى عليه-: الذين يعتمرون من التنعيم لا أدري يؤجرون أم يأثمون؟ فقيل لـه: لما؟ قال: يمشي أحدهم أربعة أميال يستطيع أن يطوف مكانها مائتي طواف-كأنه يشير بذلك إلى الهدي القولي بإكثار الطواف، والهدي الفعلي من النبي-صلى الله عليه وسلم-بإكثار الطواف حول البيت، وانصرفوا عنه إلى هدي آخر وهو تكرار العمرة.
وهذا هو الصحيح أن الإنسان إذا قدم إلى مكة في سفرة واحدة فلا يكررها لمحض العبادة والحرص على الخير، لأن الصحابة من أحرص الناس على الخير ، بل كما قال بعض أهل العلم إن النبي-صلى الله عليه وسلم-عندما قدم إلى مكة مع الصحابة لم يعتمر أحدهم رغم قرب التنعيم، وهو قريب جداً ومع ذلك لم يتابع الصحابة العمرة مع العمرة كما يفعل كثير من الناس في الوقت الحاضر، نعم هناك من العلماء من قال: كان فلان إذا حمم شعره يعني إذا ارتفع فعل هذا، وكان الشافعي يقول: أنه يعتمر ولو وقتاً بعد وقت، يعني مباشرة، والمعول على ذلك هو الهدي الظاهر والغالب في هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-وهدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الخامسة: الحديث فيه مشروعية العمرة في كل وقت، وهذا فيه رد على من استثنى أشهر الحج، أي يقولون لا يعتمر إلا عمرة التمتع، وفيه رد أيضاً على من منع العمرة في أيام التشريق، وفيه رد أيضاً على من منع العمرة في يوم عرفة، أو منع العمرة للحاج لسبب أو لآخر، وعموم الحديث كما ترى لم يستثني شيئاً من هذه الحالات.
الحديث الثاني:
هو حديث عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنها قالت: قلت يا رسول الله: على النساء جهاد؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة"، قال المصنف: رواه أحمد وابن ماجه واللفظ لـه وإسناده صحيح وأصله في الصحيح.
هذه الحديث فيه من الفوائد:
أولاً: فضل الحج، وفضل العمرة أيضاً، ومن مسائله أيضاً ما أشار إليه المصنف أن أصله في الصحيح من حديث عائشة بنت طلحة- رضي الله عنها-عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: "لا، لكن أفضل الجهاد حجٌ مبرور".
الحديث الثالث:
حديث جابر بن عبد الله بن حرام-رضي الله تعالى عنهما-قال: أتى النبي-صلى الله عليه وسلم-فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمر خيرٌ لك"، رواه أحمد والترمذي، والراجح وقفه، انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
حديث جابر هذا حديث ضعيف، في سنده الحجاج بن أرطأة وضعفه مشهور، ولكن هذا الحديث قد بين حكم العمرة، فما هي حكمها، هل هي واجبة أو مستحبة؟
في ذلك قولان مشهوران:
القول الأول: أنها مستحبة غير واجبة، وقد جاء ذلك عن ابن مسعود-رضي الله عنه-، وبه قال مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، واختاره الإمام ابن تيمية والعلامة الصنعاني، واستدلوا لذلك بما جاء عن طلحة أنه سمع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول: "الحج جهادٌ والعمرة تطوع"، أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف أيضاً.
القول الثاني: أن العمرة تجب على من يجب عليه الحج، وقد جاء ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر، وكذلك سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء-رحمة الله تعالى عليهم أجمعين-.
واستدلوا لذلك بقول الله عز وجل: (وأتموا الحج والعمرة لله)، ومقتضى الأمر الوجوب، ولكن أجيب عن الدليل بأنه أمر بالإتمام لكنه ما أمر بالإنشاء، وهذا أورده ابن القيم عن الاستدلال بهذه الآية، واستدلوا بالآية على وجوب العمرة إذا بدأ الإنسان في الحج حتى وإن كانتا مستحبتين، وقال ابن عباس-وهذا من أدلتهم-: إنها لقرينة الحج في كتاب الله.
وعن الصبي بن معبد قال: أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأهللت بهما، قال عمر: هُديت لسنة نبيك-صلى الله عليه وسلم-، رواه أبو داود والنسائي وهو أثر صحيح.
وعن أبي رزين أنه أتى النبي-صلى الله عليه وسلم-فقال يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: "حُج عن أبيك واعتمر"، رواه أبو داود والنسائي وقال حديث حسن صحيح، وهو حديث صحيح.
والراجح من القولين هو القول الأول، وهي أن الذمم الأصل فيها البراءة فلا يلزمها شيء إلا بدليل صحيح لا اعتراض عليه.
أما قولهم (فأتموا الحج والعمرة لله) فهو أمرٌ بالإتمام لا أمرٌ بالإنشاء، وأما قول ابن عباس: إنها لقرينة الحج في كتاب الله، فهو كقولك إن عقوق الوالدين هو قرين الشرك في كتاب الله، تريد تعظيم أمر عقوق الوالدين، وكذلك ابن عباس-رضي الله عنهما-ما ساقها السياق الحكمي الذي يريد به بيان الحكم الشرعي وهو أن العمرة واجبة، وعلى كل حال فالمسألة خلافية بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم فقد يكون هذا قولاً لابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-.
وأما أثر الصبير بن معبد وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأهللت بهما، قال عمر: هُديت لسنة نبيك، فقد يكون مراده أن الله كتب عليه الحج والعمرة إذا اختار نسك التمتع فصارت مكتوبة عليه وهذا صحيح، إذا قال أنا متمتع ونواه ودخل فيه بنية المتعة أو التمتع صارت الحج والعمرة في هذه الحال واجبتين عليه، وأيضاً إذا صح أن هذا إقرار من عمر على أنها واجبة فهي أيضاً قولٌ لعمر-رضي الله عنه-معارض بقول بن مسعود.
بقي حديث أبو رزين حين قال: "حُجَّ عن أبيك واعتمر"، وهو حديث صحيح، قالوا: والأمر للوجوب، ولكن دلالة الأمر للوجوب هل هي دلالة قطعية أو دلالة تأصيل؟ هل هي كدلالة إذا قالت الشريعة واجبة، إذا قالت الشريعة فرض هذه دلالة قطعية، والتأصيل أن يقال: الأصل هو كذا وكذا وقد يأتي ما يعتري هذا الأصل، هذا جواب.
الجواب الثاني: أن ذلك جاء جواباً عن سؤال وهو أشبه بالإذن وبيان حكم أصل المشروعية، كيف نوضح هذا الكلام؟ لو جاء ولدك أو أخوك الصغير وقال لك: أفتح الباب؟ ماذا سيقول الأب؟ افتح الباب، هذا يسمى إذن، ليس أمراً هذا يعرف بالسياق وفي كلام العرب وفي عرف الناس، وكذلك أيضاً حين قال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج....إلخ، فكأنه يسأل: أحج عنه؟ قال: حُجَّ عن أبيك واعتمر"، فهو يأذن لـه بذلك، فدلالة الأمر هنا ضعيفة الاحتمال لإرادة-طبعاً ليست الإباحة هنا-وإنما إرادة المشروعية، الإباحة نقولها في الأمور العادية، أما الأمور التعبدية فنقول: قد أراد مطلق المشروعية لا تعيين الوجوب.
هذا فهم، كل ما نقول به الآن الأصل في الاستدلال وبراءة الذمة، والآثار والأحاديث، والإجابة عن الآثار والأحاديث كلها فهم، نستطيع أن نعضد الفهم بأن العمرة ليست واجبة بهدي ظاهر من النبي-صلى الله عليه وسلم-والصحابة، كيف نفعل ذلك؟ أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قدم إلى مكة عام حجة الوداع، وكان في الصحابة مفردين، وكان في الصحابة أيضاً جمع غفير ما قدموا إلى مكة إلى ذلك الوقت، وكان فيهم أيضاً جمع غير قليل قد لا يتيسر لهم الرجوع مرة أخرى إلى هذا المكان وما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم-ولا مرة واحدة أنه أمر الصحابة باستغلال الوقت والإتيان بالعمرة الواجبة التي أوجبها الله على عبيده، بعد أداء نسك الحج، كما قال لعائشة حين أراد تطييب خاطرها حين أمر النبي-صلى الله عليه وسلم-أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمرها من التنعيم، فالإتيان بالنسك بعد النسك كان هدياً معروفاً وفعله النبي-صلى الله عليه وسلم-مع عائشة وكان هذا تطييباً لخاطرها حين قالت: يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج، فأمر النبي-صلى الله عليه وسلم-بإعمارها من التنعيم.
ولو كانت واجبة لأمر النبي-صلى الله عليه وسلم-أصحابه الذين لم يعتمروا، أو الذين قدموا متأخرين سواءً مفردين من الأصل، أو قدموا متأخرين يوم عرفة، وما تيسر لهم العمرة، ما أمرهم صلى الله عليه وسلم بالعمرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: أن أعمال العمرة من جنس أعمال الحج، ولا يعهد في الشريعة أن يوجب الله أمرين هما من جنس واحد وجوباً عينياً، لذلك تجدها في الصلاة مثلاً، الله عز وجل شرع الوتر وشرع قيام الليل وشرع السنن الرواتب كلها من جنس الصلاة المفروضة، هذا من حيث المعنى وليس دليلاً قطعياً.
والراجح أن العمرة ليست واجبة وإنما هي مستحبة-والله عز وجل أعلم-.
الحديث الرابع:
قال المصنف: وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-مرفوعاً قال: "الحج والعمرة فريضتان"،
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف ولا حجة فيه لمن قال بوجوب العمرة.
الحديث الخامس:
وعن أنس-رضي الله تعالى عنه-قيل يا رسول الله: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، رواه الدار قطني وصححه الحاكم، والراجح إرساله. أنتهى كلام المصنف-رحمه الله-.
قال المصنف بأن في إسناده ضعف، والحديث أيضاً ضعفه كذلك ابن عبد الهادي الحنبلي-رحمه الله-وضعفه ابن حجر مرفوعاً وصححه موقوفاً، وكذلك ابن منذر وعبد الحق الإشبيلي-رحمة الله تعالى عليهم أجمعين-.
حديث أنس حين قال: السبيل هو الزاد والراحلة، ما مراد المصنف من إيراده في هذا الباب؟
يريد أن يفهم قول الله-عز وجل-: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
والحديث يفسر الاستطاعة بأنها الزاد والراحلة، وهو ضعيف ضعفه جمهرة من المحدثين والمحققين من أهل العلم-رحمة الله تعالى عليهم أجمعين-.
الاستطاعة: هي كالاستطاعة في جميع العبادات، لأن هذا الحديث فيه بيان مناط الوجوب وقد تبين أنه ضعيف لا حجة فيه، إذا كنت تقول ما الاستطاعة في الصوم، ما الاستطاعة في الصلاة، إذا كنت تقول الاستطاعة في جميع العبادات التي أوجبها الله عز وجل، فنقول الاستطاعة هنا هي الاستطاعة هناك.
نقول ما هي الاستطاعة هنا وهناك؟
هذه حققها الإمام الشاطبي-رحمة الله تعالى عليه-في كتابه العظيم "الموافقات" في أصول الفقه، حققها وذكر أن الاستطاعة تختلف باختلاف أحوال الناس، قوةً وضعفاً وغنىً وفقراً، بل حتى بعض النواحي النفسية في بعض العبادات لها أثرها في القدرة والاستطاعة، فإذا كان يستطيع والحرج الوارد عليه الذي يمنعه من القيام بالعبادة لا يؤثر فيه تأثيراً حتى يبلغ به إلى درجة الحرج فهو في هذه الحالة مستطيع فإن كان الوارد غير مطاقٍ بالنسبة لـه بعينه فهو غير مستطيع وقد عذره الله عز وجل، ومناط هذه التكاليف كما ترى ليس في الشريعة حديث واحد ولا آية واحدة تدل على هذه الحدود مما يصحح ما اختاره الإمام الشاطبي في مسائل العبادات، وأما الاستطاعة هو أمر يقف الإنسان فيه بين يدي الله-عز وجل-فيحاسبه إذا قال لا أستطيع فيحاسبه على ذلك.
تأمل في حديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان حين قال لـه: "أعتق رقبة"، فضرب على رقبته وقال: لا أجد غيرها، قال: "فصم شهرين متتابعين"، قال: وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام، قال لا أستطيع لكنه ما سأله عن الحدود، فهو مسؤول عن نفسه وعن حدود قدرته واستطاعته، وكذلك أيضاً حين جاء قضية الإطعام، لم يطلب منه بحث اجتماعي أو كشف اجتماعي ليتأكد أنه يستطيع على دفع هذا المبلغ أو لا يستطيع.
فالقدرة إذن هي الزاد والراحلة، والصحة والغنى، والمحرم للمرأة.
فأما الزاد، فكيف يحج الإنسان وهو لا زاد لـه، وأما الراحلة فبعض العلماء يقول إذا قدر على المشي وجب عليه، لكن نقول أيضاً المشي يختلف فالمسافة من الطائف مثلاً أو من جدة أو من عسفان أو من الأماكن القريبة التي هي أماكن قصر، عند العلماء وحتى عند أهل العرف قد يكون هؤلاء لهم حكم في الاستطاعة بالمشي غير الجزر الاندونيسية أو المشرق أو المغرب أو دول التركمان أو غيرها من البلدان البعيدة جداً، فهذا أيضاً يؤكد أن الاستطاعة أمر يختلف، فإننا نقول أن الراحلة شرط في الاستطاعة مطلقاً هذا غير صحيح، فهناك مسافة قصر ممكن الإنسان يمشي فيها يومين وثلاثة أيام ولا يضيره ذلك، ولكن آخر لا يستطيع ذلك مع طول المسافة أو مع الضعف الجسدي أو مع وجود أمراض حتى مع قرب المسافة.
فنحن إذن نكل الاستطاعة إلى كل إنسان بحسبه-أنا أعني في الراحلة-، ثم أيضاً الصحة ذكرها بعض أهل العلم، فهي بلا شك أن لها أثر، فبعض الناس لا يستطيع حتى أن يركب السيارة حتى وإن توفرت الراحلة أو السيارة بسبب عدم استمساكه على راحلته.
وكذلك الغنى، بعض الناس يجد ما يحج به ولكنه لا يجد ما يكفي أسرته أثناء حجه أو بعد رجوعه، فماذا يفعل؟ وقد صح عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول"، وفي رواية: "أن يضيع من يقوت"، فلذلك إذا لم يكن عندك إلا فقط طريق الحج ثم تترك أولادك وأهلك عالة على الناس فنقول أن الحج غير واجب عليك، لترتب الإثم على حجك بتركك لأهلك وأولادك.
ثم المحرم للمرأة، وسيأتي في حديث لاحق بإذن الله عز وجل.
الحديث السادس:
حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-لقي ركباً بالروحاء فقال: "من القوم؟" قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: "رسول الله"،فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر". رواه مسلم.
فيه من الفوائد:
1-مشروعية حج الصبي، وأنه يصح منه وإن كان لا يجزئ عنه، وأجره لـه على الصحيح، أجر الصغير وكذلك المعتوه الذي عنده عته بسيط يرفع عنه التكليف، أجره لـه، وبعض الناس يقول: أجره لوالديه، هذه العبارة خطأ، أجره لـه ولوالديه أجر تربيته وإعانته على طاعة الله عز وجل، لذلك قال النبي-صلى الله عليه وسلم-"ولك أجر"، لم يقل ولك أجره، ولك أجر حين أعنتيه على ذلك.
الحديث السابع:
وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: كان الفضل بن عباس-رضي الله عنهما-رديف رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فجاءت امرأة من خثعن، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي-صلى الله عليه وسلم-يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم"، وذلك في حجة الوداع، متفق عليه واللفظ للبخاري. انتهى كلام المصنف رحمه الله.
هذا الحديث فيه مسائل وفوائد:
الأولى: فيه مشروعية الحج عن العاجز، وهذا فيه استثناء من قول الله-عز وجل-: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، فالفائدة عظيمة إذن عندما تأتي آية (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ثم يأتي الحديث يستثني، هذه فائدة عظيمة يأخذها الإنسان من هذا الحديث.
الثانية: مسألة متعلقة بذلك، هل يسقط عنه الحج أو هل يجب عليه الحج إذا قدر؟
إنسان به مرض مزمن والصحيح كما تعلمون أن الاستنابة في الحج كناية للأمراض المزمنة كالكبر والشيخوخة، حتى وإن كان شاباً إذا كانت أمراضاً مزمنةً مؤثرة.
إنسان مريض مرض مزمن كمرض السكري الشديد، أو مرض-حفظ الله كل مسلم-السرطان، أو الايدز أو أي مرض يعرف أنه مزمن، ثم شفاه الله عز وجل بجلاله وقدرته، ثم قدر هل يجب عليه وقد أناب ودفع مبلغ أو لم يدفع؟
الصحيح والذي عليه المحققون أنه لا يجب عليه الحج، ولكن يستحب لـه أن يأتي بركن الإسلام، إذا لم يأت الإنسان بركن الإسلام يستحب لـه أن يتمم عبادته وأن يتمم نعمة الله عز وجل عليه ويأتي بهذه العبادة ولا يترك حج بيت الله عز وجل.
الثالثة: هل تشرعان-أي الحج والعمرة-عن القادر؟ هذه محل اتفاق بين أهل العلم أنها لا تشرع عن القادر، فإذا قلنا القادر ليس قدرة الجسد، وإنما القدرة كلها، بعض الناس قد يكون محبوس طول العمر حتى الموت أو ما يسمى بالقوانين الآن في الفقه يسمى حبس حتى الموت، أو ما يسمى مدى الحياة، فهذا أيضاً غير قادر، أو عنده مشاكل أخرى تمنعه من الحج إلى بيت الله عز وجل، فنقول القادر لا يشرع عن يحج عنه.
الرابعة: هل تشرع النيابة في النافلة للعاجز؟
هذه مسألة خلافية ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تشرع، هي نافلة، والأصل في العبادات هو (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، ما لم يستثنه إلا الدليل كالمرأة التي ماتت ولم تحج، والرجل الذي لا يستمسك على الراحلة، التي يسميها العلماء "مسألة المعضوب" وهو الذي لا يستمسك على الراحلة، هذه هي النصوص التي وردت في أن الإنسان يعمل عمل الإنسان.
وهذا هو الأقرب والله أعلم وهو الصحيح أن نبقى على هذا الأصل ولا نستثني إلا ما استثناه الدليل.
الخامسة: هل تشرع النيابة في النافلة للقادر؟
ذهب الجمهور إلى أنه لا يصح وهو الراجح، وذهب الحنفية-رحمة الله تعالى عليهم-إلى جواز ذلك، والحجة والدليل مع الجمهور لأن الله-عز وجل-يقول: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى).
الحديث الثامن:
وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي-صلى الله عليه وسلم-فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ أقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء". رواه البخاري.
في هذا الحديث فائدة: وهي مشروعية الحج عن الميت، لكن ما حكم الحج عن الميت إذا لم يحج أو عليه منذور؟
والصحيح أيضاً بعض العلماء شدد في هذه المسألة وقال ليس هناك حج إلا في المنذورات، أما ركن الدين فلا يحمل فيه أحد عن أحد، لكن الصحيح والذي عليه الجماهير والذي عليه الفتوى الآن أن المنذورة مثل الحج الواجب بل الحج الواجب أولى من المنذورة بلا ريب، لكن هل هي واجبة؟ يعني أبوك مات وعليه حج، لم يحج يقدر أن يحج، ثم قدر أن يحج فترك هل يجب عليك أن تحج عنه؟
الصحيح أنه لا يجب إلا إذا ورث مالاً يكفي لحجته، وهي مقدمة على الوصايا وهي دين الله عز وجل وحقه مقدمة على الوصايا وعلى قسمة التركة، لكن ليست مقدمة على الديون، الديون أولاً ثم الحج ثم تنفيذ وصيته التي يوصي بها ثم تقسيم البقية على الورثة. فإذا كان لـه مالاً وجب عليك أن تحج عنه سواءً كان حجة الإسلام أو كانت حجةً منذورة.
الحديث التاسع:
حديث ابن عباس قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "أيما صبيٍ حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أُعتق فعليه أن يحج حجة أخرى"، رواه ابن أبي شيبة والبيهقي إلا أنه اختلف في رفعه والمحفوظ أنه موقوف.
فيه فوائد:
وهي أن الحج يصح من الصبي ومن العبد، ولكنه لا يجزئ عنهما، فإذاً نستطيع أن نقول أن الحرية والبلوغ أنهما شرطا إجراء ولكنهما ليسا شرطا صحة، بمعنى أنه إذا أتى بها العبد والصبي صحة منه وترتب عليها ما يترتب عليها من أعمال الحج، حتى ذكر العلماء-رحمهم الله-وسيأتي في بعض ثنايا الأحاديث القادمة إن شاء الله عز وجل، أنه يترتب عليه ما يترتب على غيره إذا ترك واجباً أو فعل محذوراً وعلى وليه الذي نوى عنه فأعمره أو حججه أن يتحمل ما يترتب عليه وما يترتب على حجته أو عمرته. فهو يصح منه ولكن لا يجزئ عنه وقد ورد أن الصبي إذا بلغ فعليه حجة أخرى، وأن العبد إذا أُعتق وجب عليه حجة أخرى.
الحديث العاشر:
وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يخطب يقول: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، فقام رجل وقال: يا رسول الله إن امرأة خرجت حاجةً وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق وحج مع امرأتك"، متفق عليه واللفظ لمسلم.
هذا الحديث فيه مسائل:
الأولى: ما هو السفر؟ قيل: بأن السفر هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة، ويُفطر فيه المسافر إذا كان صائماً، وعلى هذا يكون عند الحنفية مثلاً هو أن يسافر ثلاثة أيام، وعند الجماهير أربعة برج وهي ما بين ثمانين كيلاً إلى تسعين كيلاً على خلاف حساب البريد...إلخ.
القول الثاني: وقد اختاره جماعة من أهل العلم منهم من يقول بتحديد السفر بمسائل السفر ومسائل الصيام، وهو الإمام النووي مثلاً قال: بأنه كل ما يسمى سفر فإنه لا يجوز للمرأة أن تسافر فيه إلا مع ذي محرم، وهو هنا كأنه يشير إلى ما اختاره جمهرة من المحققين وهو السفر العرفي، وهو ما عرف أنه سفر، وهو مشهور عن الإمام الزركشي وابن النجار، والإمام ابن تيمية-رحمه الله-وتلميذه ابن القيم وكذلك محمد بن إبراهيم اليماني الصنعاني-رحمة الله تعالى عليه-وكذلك جمهرة من العلماء المتأخرين كالشيخ ابن باز وابن عثيمين-رحمهما الله-وقبلهم الشيخ محمد بن إبراهيم الشنقيطي وغيرهم، الذين اختاروا أن المعتبر في السفر هو ما تقصر فيه الصلاة وترتبط به أحكام الشريعة أو ما كان سفراً عرفاً.
والسفر العرفي فيه ضوابط منها:
1-البروز من دار الإقامة، فإذا كان مواقع الإقامة هي المدن والقرى والأرياف، فمواقع السفر هي الفضاء وأماكن الشخوص.
2-ومنها وليس شرطاً لازماً ولكن مما يوصف به المسافر الزاد، ومنها المسافة، تكون مسافة عرفاً سفر، والمسافة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، واختلاف المراكب في المكان الواحد، ففي جبال عسير مثلاً قد تكون العقبة مجرد عشرة كيلو إلى خمسة عشرة كيلو ولكنها سفر، لأنها لا تقطع إلا بالأرجل أو الدواب، أو السيارات بصعوبة بالغة وشاقة جداً، ولكنها لا تكون سفراً مع الطرق الممهدة والسريعة إلى آخره، فالمسافة تختلف المهم أنه هناك بروز ومسافة، هناك أيضاً غيبة وانقطاع، لذلك يقول شيخ الإسلام: المسافة الطويلة المدة القصيرة المدة لا تكون سفراً، والمسافة القصيرة في المدة الطويلة تكون سفراً.
لذلك يرى أن الرعاة الذين يتتبعون الكلا ويقطعون مسافة ليست طويلة ثم يمكثون هناك الأيام والليالي الطويلة أنهم مسافرون بناءً على ذلك.
هذه أهم الضوابط التي يعرفها أهل العرف في ضبط السفر.
الثانية: المحرم هو كل من تحرم عليه المرأة بنسبٍ أو مصاهرة، ولكن هناك تحريم بالمصاهرة ليس على التأبيد فإن كان في وقت التحريم ارتبط به الحكم مثل الزوج، هذه حرمة ليست تأبيدية فإذا طلق انتهى الحكم، لكن محرميته أو محرمية أمه لـه تأبيدية أو مؤقتة؟ تأبيدية ولكنه علاقة مصاهرة وليست علاقة نسب، فالقاعدة كل من حرمت عليه المرأة في ذاك الوقت، حتى نخرج المحرمية المؤقتة، كل من حرمت عليه المرأة في وقته بنسب أو مصاهرة.
الثالثة: اختلف على محرمية الحج أو بشرطيتها على أقوال:
القول الأول: أن المحرمية ليست شرطاً مطلقاً بل يجوز للعجوز أن تسافر مطلقاً، وللشابة مع أمن الطريق ووجود رفقة آمنة من النساء، وهذا قول يشتهر عن الإمام الشافعي-رحمه الله-وبعض العلماء-رحمة الله تعالى عليهم أجمعين-.
القول الثاني: وهو قول الأكثر أن الحج بغير محرم لا يجوز إذا كان فيه سفر، أما إذا كانت من ضواحي مكة، عشرين كيلو ثلاثين كيلو ولا يعتبر سفر، فهي لا تحتاج إلى محرم.
القول الثالث: وهو قول الأكثرين أنه لا يجوز مطلقاً أن تسافر المرأة إلى الحج ولا إلى غيره إلا مع ذي محرم، ولكنه حكى بعض العلماء الاتفاق أنه يجوز لها أن تسافر من غير محرم إذا كانت راجعة من نشوز، هربت من زوجها إلى الدمام ثم لما أرادت الرجوع لا بأس أن ترجع من غير محرم، لأنه ليس على زوجها أن يرجعها.
فالصحيح إذن أنه لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، وابن دقيق العيد وهو من أئمة الشافعية-رحمة الله تعالى عليهم-يرى ذلك ويحقق في هذه المسألة ويرى أنه لا تعارض بين قول الله عز وجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، وبين قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، لأنه يقول بأن إيجاب الحج عام لجميع الناس الرجال والنساء والمرأة التي لها محرم، والمرأة التي ليس لها محرم، عموم يشمل جميع هذه الأفراد.
يقول: ونهي المرأة بالسفر إلا مع ذي محرم خاص بالنساء، فلذلك نفرد المرأة التي ليس لها محرم نخرجها من هذا الوجوب، بل قد دل حديث الباب حديث ابن عباس دل على وجوب ذلك حين قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: "انطلق فحج مع امرأتك".
الرابعة: هل يجب على الزوج أن يحج مع امرأته مَحْرَماً-ليس مُحْرِماَ-لأنه لا يلزمه أن يحج على قول من قال يجب الحج عند مجاوزة الميقات، هل يجب على الزوج أن يحج مع امرأته حالة كونه محرماً لها؟
هذه مسألة خلافية فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجب عليه، وذهب آخرون إلى أنها من الواجبات عليه، والأصل في ذلك هو المعاشرة بالمعروف، فإذا كان يجب عليه أن يعاشرها بالمعروف ويجامعها بالمعروف، وينفق عليها بالمعروف، ويلاطفها بالمعروف فينبغي أيضاً أن يقيم لها دينها بالمعروف، فإذا كان المعروف أن يحج الرجل بزوجته وينفق عليها بالمعروف ويكون محرماً لها أو يكلف برغبته بعض أقاربها ليحجوا بها وجب عليه ذلك، ووجب عليه أيضاً أن يدفع قيمة هذا المحرم الذي يكون معه، لأن العشرة بالمعروف، والعشرة ليست في أمور الدنيا فقط، لذلك عندما أخذت القضية عند بعض الفقهاء بشيء من هذه الحرفية ذهبوا إلى أن الزوج لا يجب عليه أن يعالج زوجته، وذهبوا مذهباً آخر أنه يجب أن يحضر لها خادمة وأن يحضر لها مؤنسة، وأن يكون طبخ الطعام من خارج البيت، هذا كله منصوص في بعض المذاهب، بينما المحققون من أهل العلم كابن تيمية والشوكاني وغيرهم من أهل العلم يرون أن العشرة عموماً بالمعروف، وذلك مثل مسألة العلاج التي تكاد بعض المذاهب أن تتفق عليها مثل قول واحد، وهذا من أعظم العشرة، فإذا كان العشرة بالمعروف أن يدفع للطبيب ثلاثين ريال أو للطبيبة وأن يعالجها، ولكن لا يجب عليه أن يعالجها من الأمراض المستعصية التي تستهلك كل ماله، فهذا ليس من المعروف، ومن المعروف أن النساء في مثل هذا المصائب أو الكوارث التي تصيب الناس يتعاونون بين أقاربه وأقاربها وسائر الناس حتى يدفع عن الرجل ما يدفع، ولكن قد يجب على الثري جداً أن يدفع لها مليون ريال حتى يعالجها من المرض المستعصي إذا كان يملك هو مليارات، لأنه من العشرة بالمعروف، لذلك العلماء نظروا في النفقة إلى حال الزوج، إيساراً وإعساراً ....إلخ، وكل هذا يدل على أن العشرة إنما هي بالمعروف، فهو يقيم أمر دينها ودنياها بالمعروف من غير تكليف عليه زائد ولا مشقة ولا حرج، والحج كما ذكرت هو مما لا مشقة فيه ولا حرج في غالب الأحوال، فيجب على أصحاب غالب الأحوال أن يحجوا بزوجاتهم أو يهيئوا لهم من يحج بهن من محارمهن.
مسألة أخيرة في هذا الحديث، هل يصح حج المرأة من غير محرم، قالت بقول الإمام الشافعي وحجت مع رفقة مأمونة، شابة مع رفقة مأمونة، أو عجوز مع رفقة مأمونة أو غير رفقة مأمونة، حجت على هذا القول فما الحكم؟
الصحيح واختار ذلك ابن تيمية-رحمه الله-بأن الحج صحيح ولا علاقة بالوسيلة وأصل العبادة كما نص على ذلك ابن تيمية بقليل من هذا بل قال: هناك فرق بين الطريق وبين أداء العبادة، فما يكون في الطريق من الإثم هو على صاحبه ويحاسب عنه، فيبقى الحج هو عبادة أخرى لا شيء فيه.
الحديث ليس من موضوعات الترجمة ولكن نشير إليه إشارة وهي قضية الخلوة "لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذي محرم".
الخلوة ليست كما يقول بعض الناس أن السائق لا يعتبر ركوب المرأة معه خلوة، وهذا غير صحيح، حتى بعض الناس يحاجج يقول إذا رأيت امرأة تكلم رجل في الشارع تقول هي خلوة؟
الخلوة هي ما يعرف بالنظر الظاهر أنه خلوة إذا كانوا في مكان فسيح فهي ليست بخلوة، وإذا كانوا في صحراء وليس قربهم أحد فهي خلوة، وإذا كانوا أيضاً في البيت ليس فيها أقسام فهي خلوة بحسب حالها، وهكذا، فالقضية تختلف باختلاف الأحوال، فما يعرف بالنظر الظاهر أنه خلوة فهو خلوة، ومن ذلك السائق، ومن ذلك الغرف الزجاجية التي تكون في بعض الدوائر الحكومية وغيرها من هي مثل السيارة هي خلوة حيث حازهم مكان واحد وحدهما فهي خلوة، والله عز وجل أعلم.
الحديث الحادي عشر:
وعن ابن عباس أن النبي-صلى الله عليه وسلم-سمع رجل يقول: لبيك عن شبرمة، قال: "ومن شبرمة؟"، قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي، فقال: "حججت عن نفسك؟"، قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه.
هذا الحديث تعرض لمسألة مهمة جداً، هل للمرء أن يحج عن الغير وهو لم يحج عن نفسه؟
هذه المسألة شهيرة فيها خلاف وفيها قولان مشهوران:
القول الأول: ليس لـه أن يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، وهذا قول الشافعية والحنابلة-رحمة الله تعالى عليهم أجمعين-.
القول الثاني: يستحب لـه ذلك أن يحج عن نفسه أولاً ثم يحج عن غيره ولكن لا يجب عليه، وهو قول الأئمة الباقين، أي قول الأئمة المالكية والحنفية-رحمة الله تعالى عليهم-، وهو قول عطاء من التابعين-رحمة الله تعالى عليه-.
والراجح في هذه المسألة هو القول الأول لأن الحديث في أصح الأقوال هو حديث صحيح.
الحديث الثاني عشر:
عن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: خطبنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فقال: "إن الله كتب عليكم الحج"، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: "لو قلتها لوجبت، الحج العمر مرة فما زاد فهو تطوع"، رواه الخمسة إلا الترمذي وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة.
هذا الحديث فيه من المسائل:
إيجاب الحج، أن الله عز وجل أوجب على عبيده الحج، وقد جاء بلفظ الكتب الدال على الوجوب "إن الله كتب عليكم الحج"، فقال الأقرع بن حابس: أفي كل عام؟ فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: "لو قلتها لوجبت"، وهذا فيه أنه لا يجب في العمر إلا مرة، وهذا محل إجماع بين أهل العلم، أن الحج لا يجب في العمرة إلا مرة إلا المنذورة فهي تجب عليه حتى وإن كان حج حجة الإسلام.
الأسئلة:
1-يقول بعض الفقهاء عند الحديث عن الاستطاعة أن يكون لديه زاد وراحلة صالحين لمثله، فما حكم اشتراط أن تكون الراحلة والزاد صالحين لمثله؟
هذا الكلام في بعض عبارات الفقهاء، لاحظ أنهم حين قالوا لمثله هذه عرفية، تعرف من هي أمثال هؤلاء تعرفها من واقع الناس، بعض العلماء يأخذ من هذا بأن بعض الناس لا يمكن حتى وإن كان قادر بدنياً لا يمكن أن يحج كبعض المترفين والسلاطين والحكام وغيرهم يحتاجون إلى حراسة يحتاجون إلى أشياء معينة يحتاجون لضوابط أخرى يكون لهم في النظر العرفي أيضاً ما لغيرهم في هذه القضية وفي الاستطاعة على الحج.
2-يسأل كثير من الناس في مكة في الحرم عن حكم الذهاب للتنعيم للعمرة عن أبيه أو جده أو أمه، فبماذا يجاب عليه وما الأفضل لـه في ذلك؟
الأفضل هو اتباع السنة والسنة هو الإكثار من الطواف، كما قال ذلك النبي-صلى الله عليه وسلم-وكما فعله أيضاً، وكما ذكره طاووس بن كيسان اليماني-رحمه الله-حين قال: لا أدري يؤجرون أم يأثمون، كأنه قال يأثمون حين تركوا هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-.
3-هل يحرم بالعمرة من ليس من أهل مكة من التنعيم أو من السيل وإذا كان من أراد عنه العمرة حياً فما الحكم وميتاً فما الحكم؟
المسألة فيها خلاف وقول الجمهور أن أهل مكة يحرمون من أدنى الحل، ما نقول بالتنعيم حتى لا يرتبط الحكم الشرعي بالتنعيم، ولكن ذهب بعض العلماء وهي روايات لبعض المذاهب، إلى أن أهل مكة يهلون من مكة للحديث الوارد "فمن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ حتى أهل مكة يهلون من مكة"، هذا الحديث صريح وهو في الصحيح، ولكن عمل جماهير العلماء في المذاهب الأربعة على غيره، وهو اعتبار العمرة من التنعيم وعلى ذلك أيضاً قول جمهرة من الصحابة-رضي الله تعالى عنهم أجمعين-وفي مذهب البخاري ما يدل على أن العمرة هي من مكة لأهل مكة، وسيأتي الكلام إن شاء الله على الميقات المكي في العمرة إن شاء الله لاحقاً.
وإذا كان من أراد العمرة عنه حياً فالعمرة الصحيح أنها ليست واجبة، فلا يشرع أن يعتمر أحد عن أحد، لا حي ولا ميت، لا قادر ولا غير قادر، لأنها نافلة أصلاً إلا إذا كانت عمرة منذورة فتؤديها عنه إن كان عاجزاً في حياته أو تؤديها عن إذا مات ولو كان قادراً في حياته.
4-هل يجوز أن أدفع لرجل من الأقارب ميسور الحال مالاً ليحج به مع العلم أن هذا الرجل لم يحج قط، وهذا المال عبارة عن تبرع مني لمساعدته على الحج؟
نعم يجوز، حتى في مذهب الإمام أحمد أنه يجوز دفع الزكاة للفقير حتى يحج، واستدل الإمام أحمد بالحديث: "الحج من سبيل الله" وهو قول للمذهب وفي قول آخر للمذهب أنه لا يجوز دفع الزكاة في الحج.
ولكن سؤال هل يجوز لـه أن يأخذ هذا المبلغ؟ نعم يجوز لـه ذلك. لكن هل يجب عليه؟ لا يجب عليه.
فهي ثلاثة أحوال: يجوز لك أن تدفع؟، نعم يجوز، يجوز لـه أن يأخذ؟ نعم يجوز، يجب عليه أن يأخذ حتى يحج؟ نقول: لا يجب، وهذا في قول أكثر أهل العلم، وهي مبنية على تحمل المنة غير واجبة، وهذا من تربية الإسلام لإباء النفس وعزتها وكرامتها، تربيها لا يجب عليك أن تأخذ من غني حتى تحج، لا تستطيع لا يجب عليك الحج.
5-استدل الألباني على وجوب العمرة بحديث: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، وشبك بين أصابعه أو فيما معناه، فما الرد عليه على رأيه؟
أنا لا أعرف أن الألباني-رحمه الله-يقول بالوجوب، لا أعرف لكن من خلال استدلال الأخ لعل الأخ وهم، الألباني-رحمه الله-يرى بأن المتعة واجبة، أن التمتع واجب ولا يجوز الإفراد ولا القران، وهذا قول بعض أهل العلم، ويستدل بهذا الحديث "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، وسيأتي إن شاء الله الكلام عن أنواع النسك فيما يوضح هذا المقام، وكما ذكرت في أثناء الكلام بأن الفهم للنصوص والآثار والأحاديث الواردة بالوجوب والاستحباب يقضي عليه سكوت النبي-صلى الله عليه وسلم-للصحابة الواردين معه إلى الحج، وهذا كما ذكر بأن هذا ما يجب فيه البيان ولا يجب تأخيره عن وقته.
7-هل يشرع الطواف بغير الحج والعمرة أم أنه لا يكون إلا في الحج والعمرة فقط؟
لا، لو أن إنسان ذهب للعمل ولا يستطيع أن يعتمر يطوف ولا خلاف في ذلك.
8-من المعلوم أن الولد من كسب الأب فهل يقال باستثناء الولد إذا أمره أبوه بأن يحج عنه النافلة والوالد كبير في السن وهو قادر لكن يشق عليه مشقة يسيرة؟
هذا استنباط وهل هذا الاستنباط خفي على الصحابة والتابعين وغيرهم؟ الجواب لا، النبي-صلى الله عليه وسلم-ما اعتمر لحمزة ولا اعتمر لشبان الصحابة الذين قتلوا في بئر معونة ولا اعتمر ووجد عليهم وجدة عظيمة صلى الله عليه وسلم حباً لهم وأسفاً عليهم وغيرهم من جلة الصحابة من أقاربه وغير أقاربه ممن ماتوا ما اعتمر عنهم ولا أمر أولادهم بالاعتمار عنهم ولا بالحج، وأما ولده من كسبه فهو حجة على القائلين بمشروعية الحج والعمرة، لأنه من كسبك إذا اعتمر لنفسه فهي لك بالكامل، من كسبك تؤجر لأنك ربيته على ذلك ليس لأنك حملته خفة ووضعته شهوة، ليس هذه أبوة هذه أبوة الحيوانات، ولكنك تؤجر وتأخذ أجره إذا ربيته وحرصت عليه من أصدقاء السوء ووجهته إلى أصدقاء الخير وفعلت وفعلت، حتى صلح، فهو من كسبك تأكل منه من الحسنات وتأكل منه أيضاً حتى من عمل يده وكسبه، فلذلك الأقرب في هذا وما دل عليه هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-وعمل الصحابة أنهم ما كانوا يتواصون على ذلك وهم أحرص الناس على الخير، وانظر إلى تساهل الناس إلى الأشياء غير المشروعة يستارعون إلى الأشياء الغير مشروعة ويتركون الأشياء المشروعة، والله عز وجل شرع شيء أعظم من هذا وهو الدعاء، أمر مشروع ثم تجد من الناس أحياناً في العمل وأحياناً أيضاً في التعليم والتفقه يجعلونها مجالاً للصراعات والنزاعات والكلام بين الناس، الثواب يصل، الثواب ما يصل، كفانا الله هذه النزاعات والكلام فيها، بالدعاء، إذا كان جنس العمل مقبول، الحج مقبول والعمرة مقبولة والصدقة مقبولة فدعاؤك مقبول فادعوا لـه يا أخي، ادعوا لـه بشيء عظيم، ادعوا لـه بالفردوس الأعلى، واترك ما لم يفعله الصحابة والتابعين، لا نبدع نحن من فعل، بل هذا قول جمهرة من أهل العلم كما أن القول الآخر أيضاً قول جمهرة من أهل العلم، فالمسألة مختلف فيها اختلاف شديد، ولكن أنت لك بصر نافذ وترى أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-والصحابة ما فعلوه وهم أحرص الناس على الخير، أي القولين تختار؟ ليس معناه أيضاً أن ألغي أقوال الآخرين أو أنبدعهم-عياذاً بالله-من أن يحكم بهذا على أهل العلم والفضل، ولكن نقول أنت بين يديك القولان الآن وعليك أن تأخذ منهما ما دل عليه الدليل الشرعي أو ظاهر هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-.
9-في حديث ابن عباس: "لا يخلون رجلاً بامرأة إلا مع ذو محرم" لم يحدد بأن يكون المحرم رجلاً بمعنى إذا وجد امرأتان ليستا من محارمه في غرفة أو سيارة هل يجوز ذلك؟
نعم، المحرمية هنا المقصود هنا على الغلبة، الحكم هنا للغلبة ليس المحرم أيضاً بشرط عامة أهل العلم، هذا قول عامة أهل العلم وهي فتوى جميع علماؤنا في الوقت الحاضر، وهذا مبني على "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"، فإذا وجد شخص آخر زالت القضية.
10- إذا ترك الشخص أن يتابع العمرة بحجة أن النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يتابع العمرة خلف العمرة، فهل يثاب على ذلك مع العلم أن الشخص في سعة من الرزق، وكان من عهده المتابعة؟
ماذا تقصد بالمتابعة؟ المتابعة كل ما أخذت شهر أو شهرين ذهبت إلى مكة هذه متابعة مشروعة بالاتفاق لا أحد يخالف في ذلك لا سيما في سفرة مستقلة أو في وقت بعيد، أو بين وقت ووقت أن تداوم على ما كنت عليه، والرسول-صلى الله عليه وسلم-يقول: "تابعوا بين الحج والعمرة".
11-ما المقصود بالجدال في الحج، وهل يدخل في ذلك رفع الصوت في المناقشة، أم هو أعظم من ذلك؟
نعم، رفع الصوت في المناقشة هو من الجدال في الحج، وينبغي أن يترك الإنسان الجدال سواءً كان في العلم أو كان في أمور الحج التي يناقشها الناس بينهم ينبغي أن تكون جدال بالتي هي أحسن.
12-هل يجوز مجاوزة الميقات بغير إحرام للضرورة وذلك لعدم إصدار بطاقة الحج؟
يا أخي لا يجب عليك ما استطعت فلماذا تعصي الله عز وجل بمجاوزة الميقات من غير إحرام ما الذي يلجئك إلى ذلك؟ والنية تقوم مقام العمل، يعني حتى بعض الناس يقوم بوضع الإحرام على رأسه عند حجز السيارات، ليدل على أنه أدى العمرة، فأنت خالفت أدخلت السيارة في الحرم وضايقت الناس مضايقة، وارتكبت المحظور بتغطية الرأس، إذا كان الإنسان ليس عنده بطاقة حج فقد أُعفي وكفي ولـه أجره بالنية إن شاء الله عز وجل.
13-هل يحج الإنسان حج النافلة أو التوكيل ووالده لا يريده أن يحج، ولكنه يعتب عليه كثيراً إذا ذهب إلى الحج؟
يقال بأنها إذا كان لا يعتبر عقوقاً إذا سافرت عصيت والدك، أما إذا قال لك لا تذهب، ثم أيضاً إذا ذهبت امتدحك وشكرك هذا ليس بعقوق، ولكن إذا قال لك أمر جازم من قلبه لا يريدك أن تذهب وإذا ذهبت غضب عليك فلا تذهب وهو حج نافلة، وأما الحج الواجب فلا يجب عليك أن تطيع والدك إذا منعك.
14-هل يجوز للشخص أن يحج وعليه دين على شكل أقساط سيارة؟
لا يتخلف فيه إذا كان عليك القسط الحالي فلا يجوز لك أن تحج إلا إذا سددت القسط الحالي، والمؤجل تؤجله.
16-أليس في حديث ابن عباس "انطلق فحج مع امرأتك" دليل على وجوب ذهاب الرجل مع المرأة في الحج مُحرماً؟
نقول فيه أن الأمر جاء جواباً عن سؤال، كأنه قال: أحج مع امرأتي قال: حج مع امرأتك، كأنه قال خير لك من الجهاد لأن الجهاد جهاد طلب مع وجود كفاية وليس استنفار عام، فحج مع امرأتك، ليست فيه دلالة قطعية صريحة، لكن الراجح كما ذكرنا أن الحج مع المرأة واجب إذا كان الزوج مقتدراً.
17-حديث "عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" أليس لفظة على تدل على الوجوب؟
أيضاً الدلالة فيها نظر، تدل على الوجوب نعم، لكن هذه الدلالة ليست دلالة قطعية، فسرها أن النبي-صلى الله عليه وسلم-ما أمر جماهير الصحابة-رضي الله عنهم-ما أمرهم بالعمرة مع أنه كان مفرداً في حجة الوداع.
وصلى الله على نبينا محمد.