إجعل قووة.نت صفحتك الرئيسية بسم الله الرحمن الرحيم
  جميع خدمات قووه.نت الأخبار دليل مواقع الانترنت GOOH.net - قووه.نت موقعي و بريدي حجوزات سياحية المكتبة الاسلامية  
موقعي
بريدي
المنتديات
اعلانات مبوبة
الترجمة
شركة قووة التصميم
الاسلامية
أخبار
أحوال الطقس
خرائط جوية
أسهم
أوقات الصلاة
السوق جديد
دليل المواقع
حجوزات سياحية
البحث بالانترنت
العاب
اسماء نطاقات
موقعي
بريدي
المنتديات
اعلانات مبوبة
الترجمة
شركة قووة التصميم
الاسلامية
أخبار
أحوال الطقس
خرائط جوية
أسهم
أوقات الصلاة
السوق جديد
دليل المواقع
حجوزات سياحية
البحث بالانترنت
العاب
اسماء نطاقات
المكتبة الإسلامية
القرآن الكريم
عدد (6236) اية و تفسيرها
القرآن الكريم
تفسير ابن كثير
الحديث الشريف
اكثر من (9000) حديث
صحيح البخاري
رياض الصالحين
الاربعين النووية
المتون
أكثر من (15) كتاب
زاد المستقنع
بلوغ المرام
مزيد من الكتب
الشيخ ابن عثيمين
مجموع المواد (17398) مادة
المكتبة المقروءة
المكتة الصوتية
دروس الحرمين
الفتاوى
خطب الجمعة
الشيخ خالد المصلح
مجموع المواد (806) مادة
الدروس
المؤلفات
المحاضرات
الفتاوى
شرائد الوائد
الشيخ عائض القرني
مجموع المواد (2447) مادة
المكتبة المقروءة
المكتة الصوتية
المكتبة الشعرية
مقالات
لقاءات
الشيخ سليمان الماجد
مجموع المواد (2570) مادة
مكتبة الفتاوى
مكتبة الدروس
المحاضرات
خطب و كلمات
الشيخ حمد الحمد
مجموع المواد (1290) مادة
الطهارة
الصلاة
الزكاة
المكتبة الصوتية




أوقات الصلاة ( اكثر من 1400 مدينة ) مزيد من المدن
السعودية
مكة المكرمة
المدينة المنورة
الرياض
جدة
الدمام
القصيم
عربية و عالمية
القدس
القاهرة
لندن
نيويورك
طوكيو
باريس
   
الشيخ سليمان بن عبدالله الماجد : : دروس و دورات : دروس
بلوغ المرام - الحج 4

باب صفة الحج ودخول مكة

ذكر المصنف-رحمه الله-حديث جابر بن عبد الله بن حرام-رضي الله تعالى عنهما-؛ أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-حجَّ، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة ....إلخ الحديث.

والمصنف إنما أراد من إيراده لهذا الحديث سياق المناسك ولم يرد سياق الأحكام بدليل أنه ذكر ما يتعلق بأحكام المناسك قبلها أحاديث وستأتي بعدها أيضاً أحاديث أخر في وصف مناسك النبي-صلى الله عليه وسلم-وبعض أحكام هذه المناسك.

يقول جابر: "فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس، فقال لها النبي-صلى الله عليه وسلم-: "اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي"،

استثفري هذا معناه وهو رباط الحقو ويشد مع هذا الرباط من جهة البطن خرقة أخرى، ويشد أيضاً رباط في وسط هذا الرباط من جهة الظهر، وهذا طريقة الاستثفار التي كانت تستعمل.

فقال لها النبي-صلى الله عليه وسلم-: "اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي"،وهذا فيه فائدة أن الحائض والنفساء تعمل كل أعمال الحج غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تصلي كما ورد ذلك في حديث عائشة-رضي الله عنها-: "أفعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي".

يقول جابر: صلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في المسجد ثم ركب القصواء.، كان صلاة النبي-صلى الله عليه وسلم-هي الفجر كما ورد في روايات أخرى، وهي من الصلاة المفروضة، فبعض العلماء يرى أنه ليست هناك صلاة خاصة بالإحرام، والبعض الآخر يرى أن هناك سنة للإحرام وهو قول الأكثرين وقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أن جبريل أتاه وقال لـه: صلي في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة". وهو حديث صحيح.

قال: ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

وقد صحَّ في سنن أبي داود أنهم كانوا يلبون معه فيقولون: "لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل"، ولم يُنكر عليهم صلى الله عليه وسلم.

يقول جابر: حتى إذا أتينا البيت، استلم الركن" وهذا فيه دلالة على أن الإنسان إذا كان في متسع أنه يبتدر طوافه باستلام الركن، وهذه سنة مهجورة، بعض الناس يأتي ويجد متسع ولكنه يأتي بالطواف كيفما وقع فالأفضل والأولى أن يأتي بسنة النبي-صلى الله عليه وسلم-.

قال: "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً"

الرمل: هو سرعة المشي مع تقارب الخطى ولا يلزم من ذلك تحريك المناكب كما يفعل ذلك بعض العامة، وكان أول ما شرع أن أهل مكة حينما اعتمر النبي-صلى الله عليه وسلم-قبل فتح مكة وهي عمرة القضاء، عندما رُدَّ النبي-صلى الله عليه وسلم-من الحديبية اعتمر في القادم، وكان مشركوا مكة يقولون: سيأتيكم أهل المدينة وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي-صلى الله عليه وسلم-أن يرملوا في الثلاث الأول وأن يمشوا فيما بين الركنين، وما بين الركنين وذلك لأن المشركوا لو جلسوا فيما يلي جبل قعيقعان وينظرون إلى المسلمين، فأراد أن يبقي عليهم ويريحهم ذلك، فأمرهم أن يمشوا ما بين الركنين اليمانيين، هذا هو أصله ثم صار سنة، وهذه السنة في المناسك، ليست بدعاً من أنبياء الله عز وجل، وهذا السعي بين الصفا والمروة هي سعي هاجر-عليها السلام-حين كانت تبحث عن ماء وغذاء لولدها إسماعيل-عليه السلام-فقد صح في صحيح البخاري من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-حين ذكر سعيها بين الصفا والمروة قال: "كذلك سعي الناس بينهم"، ولكننا لا نسعى لأن هاجر سعت، نحن نسعى لأن الله عز وجل أمرنا بالسعي. "أسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي"، والله عز وجل يقول: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما)، ولكن هناك فرق بين أن نقول: سبب المشروعية وبين أن نقول أصل المشروعية.

قال: "ثم أتى مقام إبراهيم فصلى" ركعتين، قرأ في الأولى (قل يا أيها الكافرون) وفي الثانية (قل هو الله أحد).

إشعاراً بالتوحيد وما قامت عليه دعوة الرسل-عليهم الصلاة والسلام-في توحيد الله وعبادته دون سواه.

في سنن النسائي، ليست في لفظ مسلم، "أنه قرأ في الأولى (قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية (قل هو الله أحد)، وفي مسند أحمد "أنه ذهب إلى زمزم فتوضأ منه وتضلع وشرب صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى الركن مرة أخرى فاستلمه".

قال جابر: "ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر) "ابدءوا بما بدأ الله به"، وفي رواية: "نبدأ بما بدأ الله به".

هذا تشريع من النبي-صلى الله عليه وسلم-والظاهر فيه التعليم، أننا نبدأ بما بدأ الله به، وليست تعبداً أن يقولها الإنسان في كل مرة، وهذا لم يثبت عن السلف ولو كان هذا هديهم لروي عنهم-رضي الله عنهم وأرضاهم-.

قال: "فرقى الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبَّره-هذه رواية مسلم-وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، لـه الملك ولـه الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، قال مثل ذلك ثلاث مرات.

قال مثل ذلك ثلاث مرات يعني أنه يهلل ويكبر ويدعو، ثم يذهب ويرجع ثم يهلل ويكبر ويدعو، ثم يذهب ويرجع ثم يهلل ويكبر ويدعو ثم ينصرف بعد ذلك.

والناس يصعدون إلى الصفا والمروة دون أن يقفوا الوقوف الذي شرعه الله عز وجل.

هل يُشرع رفع اليدين عند التكبير؟

استقبال القبلة وأن يرى البيت وأن يقول الإنسان: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، أو والحمد الله، بينما ترى الذي يفعله الناس الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ويشيرون بأيديهم، ووجدت هذا في كتب المذاهب الفقهية ولكنني ما وجدته في كلام أهل الحديث، فالأصل في العبادات هي التوقيف حتى يدل الدليل على مشروعية عمل من الأعمال. لا نقول أن هذا غير وارد ولكن ما وجدته في كتب الآثار والأحاديث المسندة.

والأمر الثاني فيما يتعلق بالوقوف على الصفا هو رفع اليدين عند الدعاء، لم يرد في حديث جابر ولا غيره مما وقفت عليه والأحاديث التي تتبعتها في هذا المقام أن النبي-صلى الله عليه وسلم-رفع يديه عند الدعاء، والأصل أنه لم يرفع يديه عند الدعاء، فإذا قلت أنه دعاء دون رفع اليدين صحَّ، وإذا قلت أنه رفع يديه عند الدعاء أتيت بشيء زائد فنقول هات الدليل، ونقول في هذه المواضع لا يُرفع فيها الأيدي إلا أحياناً، رفع أحياناً قليلة ولم يكن في موضع القدوة ولم يكن في موضع النظر ثم بدا لـه ورق قلبه أن يرفع يديه على وجه القلة فلا حرج.

قال جابر: "ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى.

بطن الوادي هذا اسمه (الأبطح) يقع في الجزء الجنوبي من المسعى، وهذا الوادي عرضه ما يقارب عشرين متراً، واسمه الأبطح وقد قال عنه النبي-صلى الله عليه وسلم-في الحديث الذي أخرجه البيهقي في سننه بسندٍ جيد، أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-قال: "لا يُقطع الأبطح إلا شدا"، حديث جابر مطلق في السعي، وجاء الحديث الذي في سنن البيهقي قيّد ذلك وبيّنه وهو أن موضع السعي هو الأبطح، وهو الوادي الذي يقطع المسلك، وكان مجرى للمياه وغرق منه بيت الله مرات عدة.

يقول: "حتى إذا صعدتا-يعني من الوادي الذي كان فيه-مشى إلى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا".

المقصود أنه فعل مثل ما فعل على الصفا هو أنه وحّد الله وهلله وكبره وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، لـه الملك ولـه الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، قال ذلك ثلاث مرات ودعا بينهما.

يقول جابر: "ولما كان يوم التروية"، يوم التروية هو اليوم الثامن وسميت التروية لأنهم كان يتهيئون بالماء لتوافد الحجاج في يوم واحد فكانوا يستعدون بالمياه، وليست التروية مشروعة في ذاتها وإنما هي من الأمور العادية.

"ولما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فركب النبي-صلى الله عليه وسلم-فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت لـه بنمرة فنزل بها".

وهذا فيه خلاف بين بعض الفقهاء هل الإنسان إذا تيسر لـه أن ينزل في نمرة ينزل ثم لا يخرج إلا بعد الزوال؟ وهذه مسألة خلاف مثل مسألة: "نبدأ بما بدأ الله به"، وقضية نزول النبي-صلى الله عليه وسلم-في الأبطح حين خرج من منى، وغيرها من الأفعال التي يتنازعها أمران: الفعل العادي والفعل التعبدي، هل أراد به العبادة والنسك أو أراد به التعبد؟، ومثلها أيضاً عدم صلاته ليلة العيد بمزدلفة، أنه ما صلى الوتر، رغم أنه نفل ولا يجوز أن نعتمد على خبر النفل هنا، فذهب بعض العلماء من المتأخرين بأنه لا يجوز ويعتبرون الإنسان مبتدع إذا صلى الوتر في هذه الليلة، وهذا تكلُّف لأن النبي-صلى الله عليه وسلم-مادام ما نهى عن الوتر في هذه الليلة فتركه إياها-لو ثبت أنه تركها-فتركه إياها ليس دليلاً على أنه أراد النسك، كما ذكر بعض العلماء في هذه المسألة، ولكن لو فعله الإنسان على وجه التعبُّد والسنية ففعله حسن وهو صحيح ولا يعتبر مبتدعاً لأنه ترسَّم هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-، ولو كان شيئاً يُنهى عنه لنهى عنه لأنه قال: "نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر"، وهو أراد أنه سلك الطريق الفلاني نبه لذلك، وحين نحر في منى نبه إلى أن منى كلها منحر، دل على ذلك أنه الأقرب هو التعبد فمن تيسر لـه ذلك فهو حسن، وقد جربناه ووجدناه صالحاً، أن الإنسان يأتي وينزل في نمرة إن تيسر لـه ذلك ثم يدخل إلى عرفة فيكون هو في مقدمة الحجاج.

يقول جابر: "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحِلت لـه، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، ثم أذّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يُصل بينهما شيئاَ".

هو الآن قصر وجمع، قال بعض العلماء أن هذا للنسك، الصحيح أنه للسفر كما حقق ذلك الإمام ابن تيمية وغيره، وقال بعض أئمتنا الحنفية-رحمة الله تعالى عليهم-بأن جمعه للنسك حتى يتوافق هذا مع قولهم بأن جمع النبي-صلى الله عليه وسلم-في غير مكة أو في غير الحج، أنه كان جمعاً صورياً، لكن الصحيح أنه لأجل السفر.

يقول جابر: "ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة".

فهنا فيه فائدة: أن هذا موضع للوقوف وهو الجبل الذي يسمى الآن جبل الرحمة وهذه تسمية غير صحيحة، هو اسمه جبل عرفة أو نسميه جبل الصخرات، ولكن المشروع في الحج هو استقبال القبلة وليس استقبال الجبل كما يفعل الجُهّال الآن، إذا كان هو من الجهة الغربية من عرفة فيكون الجبل عنه شرقاً فيشاهد الجبل، حتى العوام في بعض البلدان يسمونه بالمشاهد، شاهد الجبل، وهذا كله غير صحيح، حين كان موضع النبي-صلى الله عليه وسلم-مما يلي الجبل من ناحية الشرق استقبل الجبل، وليست استقبال الجبل مقصوداً وإنما استقبال القبلة.

"فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً حتى غاب القُرض، ودفع"،

إذا كانت سنته في الدفع بعد مغيب القرص، ولكن لم ينتهي الوقوف بعرفة عند هذا الحد، ولكن الوقوف بعرفة ينتهي عند طلوع الفجر كما دل عليه حديث عروة بن مضرِّس الطائي في مسند أحمد والسنن وغيرها، في قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: "من وقف موقفنا وصلى صلاتنا وكان قد وقف قبل ذلك بجمع-أي بعرفة-ليلاً أو نهاراً فقد تم نسكه وقضى تفثه...."الحديث.

وهذا يدل على أن وقت الوقوف يمتد إلى الفجر، ولكن العلماء يقولون لا بد أن يجمع بين الليل والنهار، وهذا قول كثير من أهل العلم والذي عليه الفتوى الآن، وإذا ما فعل وجب عليه دم، في المفتى به الآن وهو أنه لا ينطلق ولو وقف ساعة ويمشي، وهي رواية للمذهب ولكنها مرجوحة بأنه يكفيه أن يقف ولو ساعة فقط، نقول حجه صحيح لكن عليه دم وعليه أن يدفع، النبي-صلى الله عليه وسلم-حين انتظر كان أيسر للناس أنه يوزعهم على النهار، لماذا لم ينطلق رغم الزحام وكان يقول: السكينة السكينة، صلى الله عليه وسلم، إلا أن يكون قضية البقاء إلى مغيب الشمس مقصودة في النسك والرسول يقول: "لتأخذوا عني مناسككم".

يقول: "ودفع وقد شنق للقصواء الزمام-أي أنه قد شدَّ عليها زمامها حتى لا تنطلق من رحمته ورأفته بالناس صلى الله عليه وسلم-.

"حتى إن رأسها ليُصيب مَوْرِكَ رَحْلِهِ، ويقول بيده اليمنى: "يا أيها الناس! السكينة السكينة"، كلما أتى حبلاً أرخى لها قليلاً حتى تصعد".

لأنه إذا كان قد قهرها فلا تستطيع أن تصعد هذا الجبل أو هذا الحبل فيرخي لها قليلاً حتى تصعد، وهذا يبين أيضاً هذه السنة المهجورة وهي السكينة، وبعض الصالحين وطلبة العلم ينسى نفسه حتى في هذا الموقف، إذا صعد إلى عرفة طيران، وإذا نزل منها أيضاً طيران آخر وينسى علمه وينسى نفسه.

النبي-صلى الله عليه وسلم-يبين "يا أيها الناس السكينة السكينة"، وكان صلى الله عليه وسلم-كما في بعض الروايات-يمشي العنقة-أي المشي السريع بين ركض الإبل والنوق وبين مشي هذا الصغير، يمشي العنق.

يقول جابر: "حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء، بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ولم يُسبِّح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيّن لـه الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام".

وهو جبل صغير  في مزدلفة وهو موضع الوقوف إذا تيسر للإنسان أن يقف عنده، وقد أُقيم بقربه الآن مسجد، والناس يقولون مشعر المسجد وهذا خطأ وهو من جهل الناس، فالمشعر هو الجبل الذي يجاور المسجد.

"فاستقبل القبلة فدعاه، وكبره وهلله".

يعني مزدلفة هي ممر فبعض الناس لا يقف ولا يدعو ولا يكبر ولا يهلل ولا يفعل شيئاً من المناسك وهذا خطأ.

"فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس"، مخالفةً للمشركين فكانوا يقولون: أشرق تبير كيما نغير أي المشركون كانوا إذا حجوا ينتظرون في مناسكهم حتى تطلع الشمس، انظروا كيف المفاصلة بين المسلمين والكافرين وبين المؤمنين والمشركين في كل شيء، كانوا يقولون: أشرق تبير كيما نغير إذا ضربت الشمس في صفحة تبير هذا الجبل الذي على يمين مستقبل القبلة إذا كان في مزدلفة يرها جبل كبير جداً شامخ فكانوا ينتظرون حتى تضرب الشمس صفحته ثم ينطلقون، فأراد النبي-صلى الله عليه وسلم-مخالفتهم فانطلق قبل أن تطلع الشمس وقد ذكر هذا ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم".

قال: "حتى أبطن مُحسِّر"، محُسِّر هو الفاصل بين منى ومزدلفة، وهو الحد الذي كان يجعله بعض العلماء للإحرام للعمرة لكونها من الحل.

قال: "فحرّك قليلاً"، كأنه أسرع، أخذ العلماء من هذا أنه يسرع في بطن محسر لكون أصحاب الفيل قد عذبهم الله عز وجل وأهلكهم في هذا الموضع، والله أعلم.

"ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصياتٍ يكبِّرُ مع كلِّ حصاة منها، كل حصاةٍ مثل حصى الخزف، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر، فنحر، ثم ركب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر. رواه مسلم مطولاً.

ثم ذكر المصنف رحمه الله الحديث التالي فقال: وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، أن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان إذا فرغ من حجٍ أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار. رواه الشافعي بإسناد ضعيف.

وهل يعمل بهذا الحديث في فضائل الأعمال؟

الشرط في العمل بالحديث في فضائل الأعمال أن يوجد حديث ثابت يدل على مشروعية هذا العمل، ثم جاءنا حديث آخر يقول: من فعل كذا فله كذا، فلا بأس أن نرويه مثل الصلوات الخمس، والرواتب والوتر، هذه فضائل الأعمال، حتى لفظ فضائل الأعمال لاحظ أنه مضاف ومضاف إليه، الأعمال ثابتة وهذه فضائلها، هذا وجه، الوجه الثاني إن الله عز وجل يقول: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، أليس هذا ديناً؟ هذا دين أنك تقول أفعله وأداوم عليه هذا دين، ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية الخمسة للوجوب والاستحباب، فإذا استحبب فقد أدخلت في حكمه، لذلك اختار الشاطبي وابن تيمية وهو اختيار جمهرة من أهل العلم بأنه تروى فضائل الأعمال في الأعمال الثابتة، ولا تنشأ عنه عمل جديد.

قال المصنف: وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا، وجمعٌ كلها موقف"، رواه مسلم.

جمع: مزدلفة، وفيه التيسير للناس بالنحر في كل منى.

قال المصنف: وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي-صلى الله عليه وسلم-لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها". متفق عليه.

هذه من المسائل التي يتجاذبها الفعل العادي أو الفعل التعبدي، عائشة رضي الله عنها حين نزول النبي-صلى الله عليه وسلم-بالأبطح تقول: نزلها حتى يكون أسهل لخروحه، فهذا عادي وليس تعبدي.

قال المصنف رحمه الله: وعن ابن عمر-رضي الله عنهما-؛ أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يُصبح، ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي-صلى الله عليه وسلم-. متفق عليه.

ذي طوى هي أقرب مكان، فهو يحتاج إلى أن يغتسل في أقرب مكان، لأن مسافة ثمانين كيلو قد يتشعث الحاج وتصيبه الغبرة، ويصيبه التعب والإرهاق فيحتاج إلى شيء ليتنظف، فالسنة هي الاغتسال إذا احتجت إليه قبل دخول مكة.

وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-؛ أنه كان يُقبل الحجر الأسود ويسجد عليه. رواه الحاكم مرفوعاً، والبيهقي موقوفاً.

هو ضعيف، موقوفاً معناه أنه رأي لابن عباس، وهو لا يفعله إلا عن توقيف.

وعنه رضي الله عنه قال: أمرهم النبي-صلى الله عليه وسلم- أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا أربعاً ما بين الركنين. متفق عليه.

هذا الحديث واضح أنه ذكر أحكام الرمل في الطواف، لكن هذا الحديث دل أن ما بين الركنين يُمشى فيه ولا يُرمل، بين الركن اليماني والحجر الأسود، وهذا ثابت في الصحيحين وثابت من كلام ابن عباس، رغم ذلك جمهور المذاهب الأربعة كلهم يرون بأنها ليست سنة، وأن الرمل المشروع في الأشواط الأولى من الحجر الأسود إليه، لأن المشي بين الركنين هي من أدلة عمرة القضاء، ولم يقل بذلك إلا بعض التابعين كطاووس وعطاء والحسن وسعيد بن المسيب وقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.

والجواب أنه قد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه رمل من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة الأولى.

وعن ابن عمر-رضي الله عنهم-أنه كان إذا طاف بالبيت، الطواف الأول خبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً. وفي رواية: رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إذا طاف بالحج والعمرة، أول ما يقدم فإنه يرمل في الطواف بالبيت، ويمشي أربعاً.

وعن ابن عباس قال: لم أر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين. رواه مسلم.

وهذا في إنكاره على معاوية بن أبي سفيان حين استلم الركن الشامي، فأنكر عليه في ذلك فقال: ليس في البيت شيء مهجور.

وعن عمر أنه قبل الحجر الأسود وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقبلك ما قبلتك. متفق عليه.

وعن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن. رواه مسلم.

وفيه عدة صيغ: أن يقف مستقبلاً الركن أو الحجر الأسود ثم يكبر مرة واحدة ويقول الله أكبر، دون أن يقول باسم الله، فمن رأى أن ابن عمر لا يفعل ذلك إلا إذا كانت توقيفية فليفعل ومن رأى أنه ليس كذلك فالأولى أن لا يفعل.

والصيغة الثانية: أن يستلمه ويقبله، الصيغة الثالثة: أن يلمسه بمحجن أو بشيء معه، ثم يقبل ما كان معه كما صح ذلك في الحديث، والرابعة: أن يستلمه بيده ويقبل يده أيضاً.

وعن يعلى بن أمية قال: طاف رسول الله-صلى الله عليه وسلم-مضطبعاً ببرد أخضر. رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.

وهو حديث جيد يدل على أن الإحرام لا يشترط فيه أن يكون أبيضاً بل ما تيسر بشرط أن لا يكون لباساً محرماً للرجال، ولعل النساء أخذن من هذا وأصبحن لا يحرمن  إلا بلباس أخضر، وهذه خطأ وجهل، فلو اختارت الأخضر على أن النبي-صلى الله عليه وسلم-فعله فالأمر يسير، لكن بعضهن يظن أنه لا يصح الحج إلا به.

الأسئلة:

1- أثناء الطواف يكبر عند محاذاة الحجر الأسود هل يشمل هذا التكبير الشوط السابع؟

هذا لا يظهر أنه يشمل الشوط السابع، لأنه فعل تعبدي فلا يشرع فيه رفع اليد أو التكبير، ولكن ما يفعل هنا هو فعل تعبدي آخر، وهو ما بعد الطواف كله، فإن النبي-صلى الله عليه وسلم-بعد أن ذهب وصلى رجع فقبل الحجر الأسود، فأنا أرى أن هذا الفعل ليس مختصاً بالشوط وإنما مختصاً بالطواف.

2-هل يجب علي أن أرقى على الصفا والمروة؟

قول أهل العلم أنه لا يشترط أن ترقى على الصفا ولا على المرأة، لأنك إذا رقيت أو وضعت عقبك عند بداية الارتفاع، صح سعيك عند أكثر أهل العلم.

3-إذا وجد المعتمر هل يأتي بهذه السنة ويتحمل الزحام كما في الطواف والرمي كما في الفتح حيث أن ابن حجر ذكر أثر عن ابن عمر أنه كان يلمس ويقبل ولو وجد زحاماً؟

إذا كان هناك زحام تتحمل وتأخذ حظك مع الناس، لكن لا تزحم الناس، تقف تمشي مع الناس رويداً رويداً حتى يأتي دورك.


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

ثم ذكر المصنف رحمه الله الحديث التالي وقال: وعن أنس-رضي الله عنه-قال: كان يُهل منا المُهل فلا يُنكر عليه، ويُكبر منا المكبر فلا ينكر عليه. متفق عليه.

في هذا الحديث مشروعية التكبير مع التلبية، فإذا قلنا أن كلمة الإهلال يراد بها التلبية أي أنهم يقولون: لبيك اللهم لبيك، وكان هذا الوصف في الدفع من عرفة، كما ورد في بعض الروايات، أي أن الحاج يلبي، وهذه من السنن المهجورة أيضاً، الحاج ينشغل بالسواليف والأخبار ويشتغل أحياناً بالجدال ويترك ذكراً هو شعار الحج، وهو التلبية.

ووجه الاستدلال هو الإقرار، وهو من طرق ثبوت السنة، فالنبي-صلى الله عليه وسلم-كان يسكت عن من كان يكبر مكان التلبية، ولكن أيهما أفضل؟ ما أمر به النبي-صلى الله عليه وسلم-وفعله، أو ما أقره؟

هو أقوى في الدرجة لأنه فعل النبي-صلى الله عليه وسلم-وكفى، بينما الآخر هو فعل غيره وإقراره صلى الله عليه وسلم-ولو كان التكبير خيرٌ من التلبية لكان النبي-صلى الله عليه وسلم-أسرع إليه أو كان الصحابة أحرص في نقل هذا الهدي منه صلى الله عليه وسلم، ولكن طيب أن الإنسان يزاوج، يكون أكثر ما يفعله التلبية ويُكبر أحياناً.

ثم قال رحمه الله: وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-بعثني النبي-صلى الله عليه وسلم-في الثَّقل-أو قال في الضعفة، من جمعٍ بليلٍ. متفق عليه.

الثقل والضعفة المراد بها واحد، وهم النساء، ففي بعض روايات حديث أسماء وهي ثابت عنها أنها قالت: أُذن للظُعن، العظُعن جمع ظعينة، والظعينة هي المرأة، فالإذن متعلق بالنساء، وهن الثقل على الحقيقة حتى الآن مع تيسر الأمور تبقى المرأة ثقيلة مهما كانت شابة، يعوقها لباسها ويعوقها حياؤها، وتكون هي في مجال حرص، أو في حرص من وليها على حفظها من الزحام ونحوه.

قال أو بالضعفة، من جمع بليل: جمع هي مزدلفة، قيل في سبب تسميتها جمع لكنه ما ثبت فيه سنة، قيل بأن آدم وحواء حين افترقا اجتمعا في هذا المكان، لكن لا يضر إذا كان الاسم بقي على هذا أياً كان سببه فهو اسم لمزدلفة.

وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: استأذنت سودة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ليلة المزدلفة: أن تدفع قبله، وكانت ثَبِطة-تعني ثقيلة – فأذن لها. متفق عليه.

في هذين الحديثين حكم، وهو جواز دفع الضعفة من الليل، ودل عليه كما ذكرت حديث أسماء الثابت والتي قالت فيه حين قالت لها مرافقاتها: قد غلسن-يعني رمين بغلس-قالت: أما تعلمين أنه قد أُذن للظُعن.

المسألة الثانية: هل يلحق بالضعفة النساء حتى ولو كن شابات صحيحات؟

هذه مسألة خلافية، بعضهم يقول: إنما يؤذن للضعفة فقط، لكن كما ذكرت أن حديث أُذن للظعن دل على أن الإذن للنساء فمن احتاجت من النساء إلى ذلك فهي من الضعفة والثقل.

قال المصنف رحمه الله: وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال لنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، رواه الخمسة إلا النسائي وفيه انقطاع.

ولكن المصنف نفسه حسّن هذا الحديث في فتح الباري وصححه أيضاً العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني-رحمة الله تعالى على الجميع-.

وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: أرسل النبي-صلى الله عليه وسلم-بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم.

والحديث صححه الإمام أحمد-رحمه الله-ومن المعاصرين الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز-رحمة الله تعالى عليه-.

هذان الحديثان فيهما مسألة وهي متعلقة بالحديثين السابقين، وهو متى يجوز للنساء والضعفة أن يرموا جمرة العقبة؟

في ذلك ثلاثة أقوال مشهورة:

القول الأول: أن ذلك لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس، وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي – رحمة الله تعالى عليهم – لحديث ابن عباس وهو حديث هذا الباب، ووجه الاستدلال واضح بين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حين أذن لهم كان يضرب على أفخاذهم ويقول: "أي غليمان  بني عبد المطلب لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، فكأنهم يقولون إنما أُذن لهم كما جاء في بعض الألفاظ خشية من حطمة الناس، فالناس إذا انطلقوا من مزدلفة يحطمون الضعفة من النساء والشيوخ والأطفال، فكان من التخفيف لهم أن يذهبوا إلى منى ويستقروا فيها تخفيفاً لهم مما يلقونه من مشقة في الدفع من مزدلفة إلى منى، ويقولون: أنه لم يثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه رمى ولا حتى أنه أذن لأحد أن يرمي قبل طلوع الشمس، والنهي الأصل فيه التحريم فمن فعل ذلك فقد أثم، وبعضهم يقول: لا يصح أن يرمي إلا بعد طلوع الشمس ويكون أيضاً قد أثم.

القول الثاني: أن ذلك لا يجوز إلا بعد الفجر، وهم لا يختلفون أن السنة والأفضل والأعظم أجراً للجميع ضعفة كانوا أو غير ضعفة أن لا يكون الرمي إلا بعد طلوع الشمس، لكن الخلاف في بداية وقت الجواز، إذن القول الثاني: أن وقت الجواز يبدأ بعد الفجر، وهذا القول مشهور عن أبي حنيفة ومالك وهي رواية عن أحمد-رحمة الله تعالى على الجميع-.

واستدلوا في ذلك ببعض روايات حديث أسماء أنها رمت بعد الفجر، فكانت هذه هي الرخصة التي استثنت من حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنه-.

القول الثالث: جواز الرمي بعد منتصف الليل، وهو قول عطاء-أكثر الناس تسهيل للناس في المناسك هو إمامنا عطاء-رحمة الله تعالى عليه-فما من قول يكون فيه تسهيل في أبواب المناسك إلا ووجدت قولاً لعطاء، أقول: هو قول عطاء وطاووس بن كيسان اليماني وهو مذهب أحمد والشافعي، واستدلوا بحديث الباب حديث عائشة في قصة أم سلمة، ولما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يرد الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وأجاب القائلون بالجواز عن حديث ابن عباس "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، وحملوا حديث النهي على الكراهة أو الأمر على الاستحباب، وقالوا بأن فعل أسماء-رضي الله تعالى عنها-وفعل أم سلمة وقد ثبت في أحاديث صحاح، أن تلك كانت ليلة أم سلمة فمن المستبعد جداً أن لا يعلم النبي-صلى الله عليه وسلم-بأنها رمت قبل الفجر، وكذلك أيدها حديث أسماء وقول جمهرة من الصحابة، والتابعين في هذه المسالة.

فالراجح هنا هو جواز الرمي للضعفة إذا دفعوا.

بعض المحدثين كالشيخ العلامة ناصر الدين الألباني-رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-ذكر طعناً في متن هذا الحديث وهو أن النبي-صلى الله عليه وسلم-بأن توافيه صلاة الفجر في مكة، قال: النبي-صلى الله عليه وسلم-أصلاً إنما صلى الفجر في مزدلفة، ولكن حديث أبي داود بين أيدينا والتي ساقها المصنف رواية واضحة جداً وليس فيها أن النبي-صلى الله عليه وسلم-أمرها أن توافيه صلاة الفجر في مكة، والصحيح كما قال ابن حجر على شرط مسلم، وتأيد بما جاء عن أسماء رضي الله تعالى عنها، وما جاء من آثار عن بقية الصحابة في الترخيص في الرمي قبل طلوع الشمس، إذا تجاوزت أن تقع في حديث ابن عباس بعدم الرمي قبل طلوع الشمس، فيبقى الخلاف يسير بين من قال بجواز الرمي بعد طلوع الشمس ومن قال بجواز الرمي بعد الدفع، أي بعد منتصف الليل عند الحنابلة والشافعية.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى: عن عروة بن المضرِّس قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "من شهد صلاتنا هذه-يعني بالمزدلفة-فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجه وقضى تفثه"، رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن خزيمة.

هذا الحديث فيه مسائل:

الأولى: حكم الوقوف بعرفة، فإنه قال: "وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه"، وكأن المخالف هنا أن من لم يقف فلم يتم حجه، وعرفة ركن الحج بإجماع المسلمين، على خلاف بأي شيء يقع هذا الوقوف، ومتى يبدأ ومتى ينتهي، وهل يلزم الجمع بين الليل والنهار...إلخ.

ولكن دل الحديث على أن الحج عرفة وقد أجمعت الأمة على ذلك.

المسألة الثانية: وقت الوقوف بعرفة، فقولـه: "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً".  هنا ليلاً أو نهاراً بعضهم يقول أنه لا يمتد إلى الفجر، وبعضهم يقول أنه لا يبدأ بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، ولا إلى فجر ليلة العيد، والحديث يقول: "وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً".

حكى ابن قدامة-رحمه الله-في كتابه "المغني" أنه لا خلاف في آخر وقت الوقوف أنه إلى فجر يوم النحر، ولكنه اختلفوا في المجزئ.

ما هو القدر المجزئ من الوقوف؟ على أقوال:

القول الأول: أنه من زوال الشمس يوم عرفة، وهذا هو قول أبو حنيفة والشافعية، وهي رواية أيضاً في مذهب الإمام أحمد-رحمه الله-، واستدل بأن الرسول-صلى الله عليه وسلم-أو أحداً من أصحابه أنهم لم يقفوا قبل الزوال، فيقول الوقوف قبل الزوال لا يجزئ الحاج.

القول الثاني: أن القدر المجزئ أن يدرك جزءاً من الليل ولو قليلاً، وهذا قول مالك ورواية عن الإمام أحمد-رحمة الله تعالى على الجميع-.

واستدلوا لذلك بفعل النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه بقي وأخذ يتحين غروب الشمس حتى غربت ثم دفع بعد أن غابت، فلا بد من هذا الجزء، وبقولـه صلى الله عليه وسلم: "لتأخذوا عني مناسككم".

ما هو دليل من قال بأن الوقوف قبل الزوال لا يجزئ فيبدأ الوقوف من زوال الشمس؟

الدليل على ذلك عدم وقوف النبي-صلى الله عليه وسلم-أو أحد من الصحابة قبل الزوال.

القول الثالث: أنه من طلوع الشمس يوم عرفة إلى الوقت المجمع عليه وهو طلوع الفجر من يوم النحر، وهو قول أحمد-رحمه الله-وهي من مفردات مذهبه.

واستدل بحديث عروة بن مضرِّس الطائي أنه قال: "وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً"، وقف ليل أو نهار، والنبي-صلى الله عليه وسلم-قد أؤتي جوامع الكلم وهو يعلم أن لفظ النهار يتناول ما بين طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، والليل ما بين مغيب الشمس إلى طلوع الفجر.

والصحيح-والله أعلم-أن الوقوف قبل الزوال أنه مجزئ، وأن الجمع بين الليل والنهار-كما قال المالكية في رواية في المذهب-أنه واجب لا شرطاً ولا ركناً، لأن تحين النبي-صلى الله عليه وسلم-على ذلك يدل على أنه منسك مقصود.

فالراجح-والله أعلم-أن الوقت المجزئ هو من طلوع الفجر إلى طلوع الفجر الآخر.

ولكن قد يقال بماذا نجيب عن عدم وقوف النبي-صلى الله عليه وسلم-في هذا الوقت أو وقوف أحداً  من الصحابة؟

فالجواب: أن هناك فرق بين المناسك التامة والمناسك المجزئة، فباب الإجزاء باب أوسع، والنبي-صلى الله عليه وسلم-كان حريصاً على استيفاء أحكام ومستحبات الحج؛ لأن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يقول: "لتأخذوا عني مناسككم"، والترك-كما هو ظاهر ومعلوم-لا يعارض القول، يعني الفعل نفسه لا يعارض القول فكيف بالترك حين ترك النبي-صلى الله عليه وسلم-ذلك أو تركه أصحابه وقد دل عليه الحديث صراحةً، وهو العربي القُح صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

فنعود فنقول: فرق بين أن نقول هذا واجب عليك وتحين النبي-صلى الله عليه وسلم-للوقوف وعدم دخول عرفة إلا بعد الزوال، هذا كسنة من السنن كل هذا لا يدل على عدم إجزاء الوقوف بعرفة في غير ذلك الوقت، وغاية ما استدلوا به-كما ذكره العلماء في ذلك-أنهم استدلوا بأحاديث الوجوب "لتأخذوا عني مناسككم"، وهو أيضاً ليس أمراً على ذات الفعل وإنما هو دليل مركب بين الأمر العام "لتأخذوا عن مناسككم"، وبين إدخال هذه القضية في هذا الحكم، ولكن يقال في هذه المسألة في مذهب الإمام أحمد والإمام مالك بوجوب البقاء إلى غروب الشمس لأن الرسول تحين ذلك فكان نسكاً مقصوداً، وفعل النبي دليل على أنه قصده وأراده وإلا كان خفف على الأمة أنه يقسطهم على مراحل، فمن وقف ساعة بعد الزوال أمره بالانطلاق ومن وقف الساعة الثانية أمره بالانطلاق وكان الناس في مطوعة النبي-صلى الله عليه وسلم-في طاعته وإمره، فما الذي جعله يأمرهم بالدفع دفعة واحدة؟ كل هذه قرينة قوية واضحة جداً أن هذا الأمر مقصود في المناسك فيضم إليه قولـه صلى الله عليه وسلم: "لتأخذوا عني مناسككم"، فنخرج بوجوب البقاء في جزء من الليل ولكن لا يدل على الركنية في حال من الأحوال.

المسألة الثالثة: من ترك الجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة فعليه دم كما هو عند أئمتنا الحنابلة وأئمتنا الحنفية-رحمة الله تعالى عليهم-ولكن عند الشافعية لا يلزمه شيء، فهو إذا دفع قبل ذلك لا شيء عليه، وعند المالكية هو ركن من الأركان وليس هناك حديث في الدماء أصلاً ولا يجبره دم فإذا دفع قبل ذلك ولم يرجع إلا وقد غابت الشمس فيكون صح وقوفه فإذا رجع قبل الفجر فيكون قد وقف جزءاً من الليل عندهم، فيجب في عندهم في هذه الحال دم، ولكنه إذا ذهب وما أدرك الفجر فهو عند الإمام مالك أن حجه غير صحيح.

ولكنه يقول: أنه إذا وجد من يفتيه فرجع من حاله ثم أدرك جزء من الليل فحجه صحيح وعليه دم جُبران لدفعه قبل غروب الشمس.

 المسالة الرابعة:  تعرض الحديث لحكم الوقوف بمزدلفة، وفيها أقوال ثلاثة مشهورة:

القول الأول: أنه سنة فقط، وهو قول عطاء-رحمه الله-والأوزاعي، تأملوا عطاء في كل مسألة.

القول الثاني: أنه ركن، وهو مشهور عن ابن عباس-رضي الله عنهما-وهو القول الضعيف في مذهب الإمام الشافعي، واختاره من أصحابه ابن خزيمة وابن المنذر-رحمة الله تعالى عليه أجمعين-.

واستدلوا بحديث عروة بن المضرِّس حديث الباب، واستدلوا بحديث "من لم يدرك جمعاً فلا حج لـه".

القول الثالث: أنه واجب، وهو قول المذاهب الأربعة وكافة العلماء في هذه المسألة.

والأقرب في ذلك-والله أعلم-أنه واجب، ليس بسنة كما قال الجمهور، ولا ركن.

وقولـه: "فقد تم حجه"، النقصان لا يعني بطلان الحج، نقول ما تم حجه، حتى من ترك طواف الوداع ما تم حجه، وحتى من ترك حصاة من حصى الجمرات والفتوى على أنها لا يجب فيها دم، نقول نقص حجك وهكذا، بل حتى من ترك السنة التي قصدها النبي-صلى الله عليه وسلم-فحينها نقول ما تم حجه لأنه ما أتى بالسنن.

فهذا لا يعني الركنية، ولكن بعضهم يقول: الركنية التي في عرفة ماذا نفعل  بها؟ ركنية عرفة دل عليها الحديث الآخر: "الحج عرفة"، ودل عليه إجماع المسلمين بأن من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فإنه لا حج لـه، بإجماع المسلمين، لكن ما عدا ذلك فلا نستدل في مثل هذا بأحاديث محتملة، لا سيما وأن النبي-صلى الله عليه وسلم-قد أذن للضعفة والظُعن، وأذن لغلمان قد بلغوا الحنث وحملوا التكاليف، لا سيما وابن حزم من القائلين بالركنية يقول: لا بد أن يدرك ولو تسليمة واحدة من صلاة الإمام، فإذا فاتته التسليمة ذهب عليه الحج، واستدل بحديث "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، وذكر أن إدراك التسليم  من الصلاة، ثم استثنى من الركنية وهذا ليس لـه نظير في الشريعة، الأركان لا تسقط، واستثنى من وجوب هذا الركن ما رخص به النبي-صلى الله عليه وسلم-للضعفة والنساء والشيوخ ليدفعوا بعد مغيب القمر.

فإذن يا إخوان الجواب هنا أن استدلالهم بحديث عمرو بن مضرس أنه في تمام الحج، ونقص الحج لا يعني أنه غير مجزئ، ويستدل لـه أيضاً بسقوط الصلاة على الضعفة والنساء ومثل هذا لا يكون في الأركان، ومعهود الشريعة في هذا أن الأركان لا تسقط بمثل هذا الحرج اليسير، لأنه لو تأخر إلى طلوع الشمس وإلى الظهر فليس فيه مشكلة، فليس هذا شأن الأركان، ولا حتى شأن الواجبات في مثل هذا المقام فالقدر الواجب هو  إدراك ساعة قبل منتصف الليل ساعة قبلها وساعة بعدها إلى آخر ما اختلف فيه العلماء في تعيين القدر الواجب المجزئ في مزدلفة، بعضهم يقول ساعة بعضهم يقول مرور كما ورد في مذهب الحنابلة.

هي الوقوف فيها واجب والأكمل والأتم بلا ريب ولا شك لجميع الناس هو أن يقفوا حتى قبيل طلوع الشمس ثم يدفعوا، ولكن من ترك شيئاً من ذلك بإذن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان معذوراً مثل الضعفة وغيرهم، ومن تركه عامداً جبره بدم على قول جماهير الفقهاء في أن ترك الواجبات يجبر بدم وإن كان الأقرب-والله أعلم-في ترك الواجبات أنه يقع فيها الإثم العظيم وقد لا يجب فيها دم جبران، وإنما ورد دم جبران في الأذى وفعل جنس المحذورات غير جنس ترك الواجبات التي أوجبها الله عز وجل على عباده، وما روي في ذلك فهو حديث عن ابن عباس "من ترك واجباً أو نسيه فعليه دم"، لكن الذي نوجه الناس إليه احتياطاً هو أن من ترك الوقوف بمزدلفة ونحوها يجبرها بدم احتياطاً لدينه وخروجاً من خلاف العلماء في هذه المسألة.

ثم ذكر المصنف رحمه الله حديث عمر فقال: وعن عمر رضي الله عنه قال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي-صلى الله عليه وسلم-خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس. رواه البخاري.

ثبير هذا جبل سبق أن ذكرنا أنهم كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، وهذا جبل بين المزدلفة وبين مكة على يمين المتجه إلى القبلة، فإذا ضربت الشمس صفحته أشرقت الشمس وكان المشركون لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس، فكان من أمر النبي-صلى الله عليه وسلم-مخالفة المشركين أن أمرهم بالدفع قبل طلوعه.

وقال المصنف: وعن ابن عباس وأسامة بن زيد-رضي الله عنهم-قالا: لم يزل النبي-صلى الله عليه وسلم-يُلبي حتى رمى جمرة العقبة. رواه البخاري.

في هذا الحديث بيان حد منتهى التلبية للحاج، فيقطعها عند البدء برمي أول جمرة من جمار جمرة العقبة يوم العيد.

وعن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة. متفق عليه.

في هذا الحديث بيان موقف الذي يرمي جمرة العقبة الكبرى كما وصف ذلك ابن مسعود حيث جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى جمرة العقبة.

قال المصنف: وعن جابر-رضي الله عنهما-قال: رمى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. رواه مسلم.

هذا الحديث فيه وقت الأفضلية لرمي الجمار، وقد حُكي الإجماع على مشروعية الرمي إلى وقت الزوال، وجاء الخلاف فيما بعد الزوال إلى غروب الشمس، والأصح في ذلك من أقوال أهل العلم أن ذلك يمتد إلى غروب الشمس، بل إن شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-يرى أن حديث "رميت بعدما أمسيت"، أنه يشمل الليل، صحيح أن المساء يبدأ من بعد الزوال أو من بعد العصر عند بعضهم، ولكن المساء يشمل الليل ويشمل آخر النهار، فمادام أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قد رخص في المساء فهو شامل لها، لذلك الذي عليه الفتوى الآن أنه يرمي حتى بعد مغيب الشمس.

وأما بقية أيام التشريق قولـه: "أنه رمى بعدما زالت الشمس"، وهذا قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام وأعلام الهدى والمذاهب الأربعة قاطبة، وهو أن الرمي لا يجوز بل ولا يصح إلا بعد زوال الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، إلا قولاً لعطاء-رحمه الله-بأن الرمي يجوز قبل الزوال.

وقول آخر لأبي حنيفة أن الرمي يجوز قبل الزوال للمتعجل في اليوم الثاني عشر فقط.

وفي الوقت الحاضر يفتي بقول عطاء الشيخ عبد الله بن جبرين، وكذلك الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود مفتي قطر-رحمة الله تعالى عليه-.

والأقرب في ذلك أنه لا يجوز لـه أن يأثم إذا قدمها قبل الزول والرسول تحينها وكان من أحرص الناس على الأمة صلى الله عليه وسلم وما رمى إلا بعد الزوال، كل هذا يدل على أن هذا وقت مؤقت، وهو من الزوال، لكن الأولى عندي تأخيرها إلى الليل أو إلى الغد إذا كان هناك زحام، هي أولى أن يأتي الإنسان ويتجاوز ما تركه النبي-صلى الله عليه وسلم-وتركه أصحابه.

وعن ابن عمر-رضي الله عنهما-أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يُكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم، ثم يُسهل –يأخذ الطريق السهل-، فيقوم فيستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يفعله. رواه البخاري.

هذا الحديث فيه كيفية الرمي ومشروعية الدعاء ورفع اليدين في هذا الدعاء والإطالة في مثل هذه المواقع.

فهو بعد أن يرمي الجمرة الدنيا يتقدم ثم يستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه صلى الله عليه وسلم، طويلاً.

الأسئلة:

1-انتشرت مقولة تعسفية وهو قول أن باب سد الذرائع باب واسع، يقولون بأن المرأة للسيارة وخروجها مع السائق من القضايا التي تُحرم سداً للذريعة، فما الضابط لرد هذه المقولة المقيتة لا سيما أنها تخرج من رجال نحسبهم أنه طلاب علم والله حسيبهم أرجو بسطها لانتشارها؟

هذه لا شك من الفتن التي بُليت بها الأمة حين تركت هدي الإسلام في هدي المرأة، وكما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: يَجِدُّ الناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، قضية دعاوى ما يسمى قيادة المرأة للسيارة، هي قضية أفرزها ضعف الالتزام بهذا الدين، ولكن من تولى كبرها؟ دعونا نخرج من هذه القضية خروج المرأة من بيتها مادامت لغير حاجة تتسكع في الطرق والأسواق والذهاب والإياب، وفي الوظائف الحكومية التي ليست من طبيعة هذه المرأة ولا مما تحتاج الأمة إليها، فلا شك أنه مخالف لما يجب أن تكون عليه المرأة المسلمة، ومن ذلك ما يتعلق بقضية قيادة المرأة للسيارة، هي قضية أفرزتها قضية إفساد الأصل ما كانت موجودة في الأمة قبل أن تدرس المرأة كما يدرس الرجل، تتعلم كما يتعلم، تأخذ من المناهج كما يأخذ هذا الرجل، وتريد المرأة أن تكون مهندسة وأن تكون مزارعة وتكون فيزيائية وتكون كيميائية، وتكون كذا وكذا...إلخ.

تربية وسائل الإعلام العامة والخاصة المقروءة والمرئية والمسموعة تربيتها لقضية المرأة وتسليط الضوء أفرز مثل هذا الصديد-أعني بهذا الصديد الدعوات إلى خروج المرأة وإلى عملها مع الرجل وقيادتها للسيارة- طريقنا لفضح هؤلاء الكتاب الذين يتولون كبر هذه القضايا هو فضح مسالكهم.

فما أحد دعا إلى نزع الحجاب وإلى قيادة المرأة للسيارة فيما رأيت وتابعت من كثير من الكتّاب إلا وتراهم في خاصة أنفسهم وفي ذوات أحوالهم تراهم على قدر من التفسق الأخلاقي والانخلاع من شريعة الله فيما يتعلق بالحجاب والحرص عليه والعناية به والتزام المرأة بآداب الإسلام.

وهذه كلمة المهتمين بذلك من طلبة العلم الذين أشاروا إلى مثل هذه القضايا حتى وإن كانوا يتعلقون ويستدلون ويتعلقون بمتعلقات فقولوا لهم لا تبيعوا السلاح في الحج، بعضهم يقول ما الفرق بين من يستدل بالأحكام الشرعية وينزل الأحكام على الواقع-مقارنات عقيمة-قولوا لهم بأن الفقهاء قد منعوا بيع السلاح في الحج، وأنتم تلقون إلى مثل هؤلاء الكتاب الذين يحرصون على أن تنزع المرأة حجابها وأن تغدو جيئة وذهاباً في الطرقات والشوارع كالرجل، فيجدون هدايا قيمة جيدة جداً في هذا المقال.

2-هناك بعض العلماء يفتي بالدفع من مزدلفة بعد مغيب القمر فهل على ذلك دليل؟

نعم، والدليل هو حديث أسماء أنها كانت تصلي ثم تقول: هل غاب القمر؟ وكان في مشهد من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-فأخذ منه الحنابلة والشافعية على مشروعية الدفع بعد مغيب القمر، فحين قيل لها قد غاب القمر دفعت وكان هذا ما يقارب الساعة الواحدة تقريباً والناس ينطلقون من الساعة الثانية عشر وهذا محل نظر.

3-ما حكم الرمي بالليل مع الاستطاعة بالرمي بعد الزوال، وهل في ذلك مخالفة لحديث "خذوا عني مناسككم"؟

نعم يخالف والأفضل أن يرمي بعد الزوال مباشرة، وكلما قدمت في الوقت كلما كان أفضل وحفظاً لك.

4-هل ماء زمزم إذا خرج من مكة ذهبت بركته وفائدته وهل هناك دليل على أنه مبارك داخل وخارج مكة؟

الأصل أنه مبارك داخل مكة وخارجها ومن قال بأنها تذهب بركته فعليه الدليل، فلا بأس بنقله إلى خارج مكة.


ثم ذكر المصنف رحمه الله الحديث التالي فقال: وعنه رضي الله عنه أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: "اللهم ارحم المُحلِّقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال في الثالثة: "والمقصرين"، متفق عليه.

هذا الحديث فيه مسائل:

المسألة الأولى: أفضلية الحلق على التقصير، لأنه دعا للمحلقين مرتين وفي الثالثة دعا للمقصرين، ولكن يرى بعض العلماء أن الأفضل للمتمتع مع تقارب الوقت بين عمرته وحجه هو أن يُقصر ولا يحلق، لأنه إذا حلق لم يجد شيئاً يحلقه في حجه، وفصل آخرون تفصيلاً حسناً وهو قريب من هذا، بأن الوقت الذي بين الحج والعمرة قريب فإنه يقصر، وإذا كان الوقت بعيداً فإنه يحلق فيحصل لـه بذلك أجر المحلِّقين في نسكيه عمرته وحجه.

المسألة الثانية: كيفية الحلق والتقصير، في هذه المسألة أقوال:

القول الأول: وهو مذهب أحمد ومالك أن استيعاب الرأس في الحلق والتقصير واجب، لقول الله عز وجل: (مُحلِّقين رؤوسكم ومُقصِّرين)، والأصل هو شمول الرأس فإذا جاء إنسان وحلق نصف الرأس أو جزءاً منه فهذا ما صح أنه حلق رأسه أو قصره، وأيدوا ذلك بحلق الرسول-صلى الله عليه وسلم-لجميع رأسه، قالوا فوجه الاستدلال بأن فعله في المناسك بحلق جميع الرأس هو تبيين لهذه الآية (مُحلِّقين رؤوسكم ومُقصِّرين).

القول الثاني: أنه ربع الرأس، وهو قول الحنفية، وأرجعوا مسألة ربع الرأس إلى مسألة أخرى في الصلاة وهي مسألة مسح الرأس في الوضوء قالوا بأنه لا يستوجب أن يشمل الرأس كله.

القول الثالث: أنه ثلاث شعرات، وهذا قول للشافعية، ودليلهم على هذا هو أنه أقل الجمع.

وهذا لا يصدق عليه أنه حلق رأسه، فتقول حلق من رأسه، قصر من رأسه ولكن إذا جاء إنسان وأتى عليه كله قلت حلق رأسه كله.

القول الرابع: أنه شعرة واحدة، هذا حكاه بعض العلماء وما نسبوه لأحد.

والراجح هو القول الأول وهو مذهب أحمد ومالك وجوب الاستيعاب في الحلق والتقصير.

المسألة الثالثة: ما مقدار التقصير؟ بعض الناس قال قدر أُنملة، والصحيح أن كل ما صدق عليه أنه تقصير فهو تقصير.

المسألة الرابعة: هل الحلق والتقصير نسك أو تحلل؟

الفرق بين قولنا نسك أو أنه تحلل، النسك أنه قائم بذاته مثل رمي الجمار مثل النحر، والطواف والوقوف بعرفة، وفي العمرة مثل الطواف والسعي والإحرام، والتحلل أنه تباح المحظورات.

الذين قالوا أن الحلق هو التحلل أنه ليس نسكاً في ذاته وإنما تستبيح به المحظورات، بينما قالوا الآخرون بأنه نسك فالذي جاء بالإحرام والطواف والسعي فقد جاء بأركان العمرة كلها ولم يبق عليه شيء، ثم جامع نقول عليه دم، لأنه يرون أنه نسك.

والمسألة فيها قولان مشهوران:

القول الأول: أنه نسك، وهو قول جماهير العلماء كافة.

القول الثاني: أنه تحلل وهي رواية في مذهب الإمام أحمد-رحمه الله-ولكن ليست الصحيحة والمرجحة عند أصحابه.

والصحيح والله أعلم أنه نسك وليس بتحلل.

قال المصنف رحمه الله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح، ولا حرج"، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخر إلا قال: "افعل ولا حرج". متفق عليه.

في هذا الحديث مسائل:

الأولى: فيه جواز تقديم بعض أعمال يوم النحر على بعض، حتى جاء في بعض الروايات الثابتة أنه قال: طفت قبل أن أرمي؟ هي غير ما جاء في هذه الرواية.

الثانية: استدل به العلماء على أن من فعل محظوراً أو ترك واجباً ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، أنه لا إثم عليه ولا كفارة، وأخذوها من لفظة (لم أشعر).

قال ابن دقيق العيد-رحمه الله-وكذلك الصنعاني كلاماً معناه: بأن هذا الحكم أو الجواب هو مناط بقول السائل: لم أشعر، فقولـه: "لا حرج"، كأنه يقول: إذا كنت لم تشعر فلا حرج.

فيمكن أن يقال: أن الحكم مناط بأصل التخيير فلا حرج عليك لو قدمت أو أخرت.

ثم ذكر حديث المِسْوَر بن مخرمة فقال: وعن المِسْوَر بن مخرمة-رضي الله عنهما-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. رواه البخاري.

وهذا الحديث وارد في عمرة الحديبية، يقول الصنعاني: بأنه وقع سبق قلم فبوب هنا تبويباً معناه جواز النحر قبل الحلق، قال تحت هذا الباب: بأن الحديث السابق دل على الحلق قبل النحر.

ولم يدل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص على أن النحر قبل الحلق، بل العكس لأنه قال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فمعناه أنه خالف، والأصل هو أن ينحر قبل أن يحلق، بينما وافق حديث مسور حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لذلك العلماء ذكروا أن حديث مسور كان في الحديبية فتحلل النبي-صلى الله عليه وسلم-من عمرته حين أُحصر.

وعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب وكل شيء إلا النساء". رواه أحمد وأبو داود وفي إسناده ضعف.

لكن روى النسائي وكذلك الأثرم وغيرهما عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء". قال النووي في "المجموع" بأن إسناده جيد، وصححه المحدِّث الشيخ ناصر الدين الألباني-رحمه الله-.

بماذا يحصل التحلل الأول في يوم العيد؟

النبي-صلى الله عليه وسلم-يقول: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء"، وفي الرواية الضعيفة التي فيها الحجاج بن أرطأة "إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب وكل شيء إلا النساء".

فهنا علق التحلل بالرمي والحلق بينما حديث ابن عباس فإنه علق التحلل بالرمي فقط.

فيه أقوال:

القول الأول: عند الشافعية ورواية عن أحمد أنه يكون بفعل أمرين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة والنحر والحلق، يعني إذا رمى الجمرة ونحر فقد حل، وإذا رمى الجمرة وحلق فقد حل، وإذا نحر وحلق فقد حل، ودليل الشافعية يقولون أنه نسك ويقع التحلل باثنين من هذه الثلاث وهي أكثر ما فعله النبي-صلى الله عليه وسلم-في يوم العيد عدا طواف الإفاضة طبعاً الذي يحصل به التحلل الأكبر، فأخذوه بأغلبية ما فعله النبي-صلى الله عليه وسلم-.

القول الثاني: وهو للحنفية والصحيح من مذهب الحنابلة، أن التحلل الأول يكون برمي الجمرة والحلق فقط، واستدلوا بحديث: "إذا رميتم وحلقتم"، وهو الذي قلنا بأن في سنده الحجاج بن أرطأة، وهو حديث الباب.

القول الثالث: هو قول المالكية والرواية الثالثة عن أحمد، ورجحها ابن قدامة، وهي قول عطاء وأبي ثور، أن المحرم يحل برمي الجمرة فقط، واستدلوا برواية ابن عباس الثابتة الصحيحة أنه قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء"، وهذا الحديث صححه ابن قدامة في "المغني"، والنووي في "المجموع"، وكذلك الألباني في "إرواء الغليل".

واستدلوا أيضاً بحديث أم سلمة-رضي الله عنها-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال يوم النحر: "إن هذا اليوم رُخص لكم فيه إذا أنتم رميتم أن تحلوا"، يعني من كل ما حُرمتم منه إلا النساء، رواه أبو داود وهو مقوي لحديث ابن عباس.

والأقوى دليلاً في ذلك هي الرواية الثالثة في مذهب أحمد وهي قول المالكية والتي رجحها ابن قدامة أن الإنسان يحل برمي الجمرة فقط، ولكن الذي نوجه به الناس احتياطاً أنه لا يفعل إلا بالرمي والحلق.

المسألة الثانية: هل يحرم شيء آخر غير النساء بين التحللين؟

قيل بأنه يحرم عليه النساء بإجماع، هذا حرر عليه محل النزاع.

الأول: مما يحل الطيب،  وقد قال بعض العلماء أن الطيب محرم حتى يتحلل التحلل الثاني، ولكن هذا القول فيه أحاديث ضعيفة وقد صح عن عائشة-رضي الله عنها-أنها قالت: طيبت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا في الصحيح وهو حجة قاطعة، ولما قال ابن عباس: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال رجل: حتى الطيب؟ قال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يضمخ رأسه بالمسك، أفطيبٌ ذلك أم لا؟.

الثاني: المباشرة دون الفرج، فبعض العلماء يقول أن المرأة تحرم كلياً، تقبيل، ضم، مباشرة، وبعضهم يقول: لا تحرم إلا الفرج أي الجماع.

والراجح في ذلك أنه يحرم كل شيء يتعلق بالمرأة، لأنه قال: "إلا النساء" ولم يقل إلا النكاح.

الثالث: الصيد، وذلك عند المالكية فإنهم قالوا: يحرم عليه الطيب ويحرم عليه المباشرة، ويحرم عليه الصيد، واستدلوا لذلك بقول الله عز وجل بالنهي عن قتل الصيد والإنسان محرم.

لكن الصحيح أن هذا قد حل وقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: "حل لـه كل شيء إلا النساء"، هذا دليل على حل كل شيء إلا النساء.

وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-؛ عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرِّن" رواه أبو داود بإسناد حسن.

وهذا حديث صحيح وقد دل على أن المشروع للمرأة هو التقصير وليس الحلق، ولو حلقت حلت بالإجماع ولكن مع كراهة حلق المرأة لشعرها حتى لا تتشبه بالرجل.

وقال رحمه الله: وعن ابن عمر-رضي الله عنهما-أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن لـه. متفق عليه.

وعن عاصم بن عدي-رضي الله عنه-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أرخص لرُعاة الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ليومين، ثم يرمون يوم النَفرة. رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان.

ساق المصنف هذين الحديثين لبيان حكم المبيت بمنى، وفيها أقوال:

القول الأول: أن المبيت في منى سنة وهو قول ابن عباس وقد صح عنه أنه قال: "إذا رميت فلا تبالي أين تبيت"،  وهو قول الحسن ومذهب الحنفية ورواية عن أحمد.

القول الثاني: أنه واجب، وهو قول الجمهور، ودليلهم على ذلك أن ابن عمر روى أن النبي-صلى الله عليه وسلم-رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته. متفق عليه، هنا غير لفظ المصنف (أذن) وهن رخص، لكن أذن أوسع ولكن رخص واضح أنه رخصة مستثناة من عزيمة، فيجب عليه أن يبيت.

واستدلوا أيضاً بما جاء عن ابن عباس  قال: لم يرخص النبي-صلى الله عليه وسلم-لأحدٍ أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته، وهذا يؤيد كلام الرخصة رواه ابن ماجة وهو حديث جيد.

وما روى الأثرم أيضاً عن ابن عمر قال: لا يبيتن أحدٌ من الحاج إلا بمنى، وكان عمر يبعث رجالاً لا يدعون أحداً يبيت وراء العقبة.

وهذا هو الراجح وهو وجوب المبيت بمنى لهذه الأدلة ولكون الرخصة مستثناة من عزيمة.

المسألة الثانية: لو ترك المبيت بمنى فما الحكم؟

جاء عن أحمد-رحمه الله-أنه لا شيء عليه، وهو قول الحنفية، قالوا: لأن الشرع لم يرد فيه بشيء محدد، ورُوي عن أحمد أنه يُطعم، وقال ابن قدامة في المغني: أن الإمام أحمد خفف مسألة ترك المبيت ثم قال: قد قال بعضهم ليس عليه شيء، وسأله بعض أصحابه: عليه دم؟ فضحك ثم قال: دمٌ بمرة؟ يعني كأنه يقول كثيرة، ثم شدد مرة أخرى وقال: دمٌ بمرة؟، يقول صاحبه: فقلت لـه: ليس لـه إلا أن يُطعم شيئاً؟ قال: نعم يطعم شيئاً تمراً أو نحوه.

والقول الآخر بأن عليه دم لتركه الواجب، وهو الذي عليه الفتوى عند علمائنا في الوقت الحاضر.

قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي بكرة-رضي الله عنه-قال: خطبنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يوم النحر. متفق عليه.

أخذ منه بعض العلماء مشروعية الخطبة للحجاج في يوم العيد عند رمي الجمرات أو بعدها، فقالوا: بأن من أعمال يوم العيد على إمام المسلمين أن يخطب خطبة يبين فيها أحكام المناسك أو نائب الإمام، وحملها آخرون على أن ما تكلم به النبي-صلى الله عليه وسلم-لم يكن خطبة بالمعنى المعروف وإنما كان تبييناً للمناسك ونشراً لأحكام فقه المناسك بين الناس، مثل أن يقف العالم في مكان معين ثم يجتمع عليه خلق كثير ثم يحتاج مع ذلك إلى أن يرفع صوته، ويُكلم الناس هاهنا وهاهنا حتى يبلغ ما سئل عنه أو ما يرغب في إيضاح علمه للحجاج، وهذا هو الأقرب والله عز وجل أعلم.

قال المصنف رحمه الله: وعن سرَّاء بنت نبهان-رضي الله عنها-قالت: خطبنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يوم الرؤوس فقال: "أليس هذا أوسط أيام التشريق؟". رواه أبو داود بإسناد حسن.

والحديث ضعيف.

وعن عائشة-رضي الله عنها-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك". رواه مسلم.

هذا الحديث فيه أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد وسعي واحد.

وهذا القول هو قول جماهير أهل العلم، وعليه كلام أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-كعمر وابن عباس وجابر وعائشة وعطاء وطاووس بن كيسان والحسن بن يسار البصري ومحمد بن شهاب الزهري ومجاهد بن جبر –رحمة الله تعالى عليهم أجمعين – .

خالفهم في ذلك الحنفية فإنهم قالوا يجب عليه طوافان وسعيان، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد، وقال العراقي في طرح التثريب: بأنه محكي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود والحسن بن علي ثم قال: ولم يصح عنهم.

وحديث الباب واضح بأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، وتأيد ذلك بحديث جابر بن عبد الله بن حرام-رضي الله عنهما-وفيه الإشارة إلى أن الذين أهلوا بحج وعمرة أنهم لم يطوفوا طوافاً آخر وسعياً آخر خلاف ما فعلوه عند قدومهم، أدلتهم واضحة وكون عائشة أهلت بحج وعمرة يؤيد ويصحح قول الجمهور.

لكن ما هو دليل الحنفية على تصحيح قولهم؟

استدلوا بما رواه الدار قطني والبيهقي، عن ابن عمر-رضي الله عنهما-أنه خرج يُهل بعمرة وهو يتخوف-أي يتخوف أن يُحصر-فلما سار أياماً قال: ما الحصر في العمرة والحصر في الحج إلا واحد، فضم إليها حجة فلما قدم طاف طوافين طوافاً لعمرته وطوافاً لحجه، وقال: هكذا رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فعل.