البدعة أصول وضوابط- الشريط الثالث
تقول القاعدة التي ذكرها ابن تيمية وذكر معناها الإمام الشاطبي المالكي-رحمه اللـه-: إن شرع اللـه ورسولـه للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعاً بوصف الخصوص والتقييد.
لا يقتضي أن يكون مشروعاً بوصف الخصوص والتقييد: يعني هو أمر مطلق فلا تأتي وتنزل هذا الأمر المطلق على شيء معين وتقول بأن الشريعة قد دلت على هذا الوصف المخصص بذاته وعينه، فما وردت الشريعة بتقييده من الأذكار بزمان أو مكان أو عبادة أو كيفية معينة فيعمل به على الخصوص الوارد، كالذكر بالتسبيح والتحميد والتكبير بعد كل صلاة، وحمد اللـه عند العطاس، والصلاة على النبي r عند ذكره، وغير ذلك كثير.
وما لم يرد به خصوص، فيبقى النص على عمومه إن كان عاماً وعلى إطلاقه إن كان مطلقاً، فمن سبح اللـه في ذهابه وإيابه وقيامه وقعوده، دون أن يقصد صورة خاصة أو مكاناً معيناً أو زماناً محدداً كان ممتثلاً للأمر العام المطلق ولـه جزيل الثواب وعظيم الأجر من اللـه عز وجل.
أنواع من التخصيص:
الذكر الجماعي بصوت واحد بالتسبيح والتهليل، لو جاء إنسان وقال يا جماعة نجتمع، سبحان اللـه، ضج الناس سبحان اللـه، الحمد اللـه، الحمد للـه، هذا تخصيص أم ليس تخصيصاً؟
أنا أسأل سؤالاً: لو أن إنساناً كان في ديار الغرب أو حتى في ديار المسلمين في مكان اللغة، ثم أراد أن يعلم الناس التكبير والتهليل، لكنه إذا أراد أن يقول لـهذا سبحان اللـه، ولقنه، رجع إلى الثاني وقال: سبحانه اللـه، ثم لقنه وقال سبحان اللـه، فقال: يا جماعة الخير تعالوا نعلمكم التسبيح والتهليل لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة، قولوا: سبحانه اللـه، ثم ضجوا: سبحان اللـه، قولوا: الحمد للـه، الحمد للـه، هل هذا بدعة أم مشروع؟
مشروع، هو ما قصد التعبد وأن الاجتماع طيب، ويذكر بعضنا بعضاً،وأمور تعبدية، هو أراد التعليم معقول المعنى، الآن أنظر كيف المعقول المعنى كيف نفصل فيها بين العبادة وبين غير العبادة، مثل القرآن أريد أن ألقن الأطفال أو الكبار، أنا لا أستطيع أن ألقن كل واحد آية آية، أقرأ الآية ثم يضجون خلفي، فإذا تعلموا كل واحد يقرأ لوحده، كل واحد يسبح لوحده، أنا الآن حين جمعتهم على صوت واحد هل هو معقول المعنى أم غير معقول المعنى؟ معقول المعنى لأن القصد هو التعليم، لا بأس، ما عقل معناه- كما قال الشاطبي رحمه اللـه- وعرف مقصده، فهي العادي الذي لا تدخلـه البدعة، ومن التخصيصات- نحن الآن في قاعدة التخصيص و التقييد-، ومن التخصيصات التخصيص في الزمان، الذي يخص ليلة النصف من شعبان من بين الليالي، هذا تخصيص، يا أخي لماذا فعلت هذا؟ قال: ليلة النصف من شعبان فضيلة، طيب كونها فضيلة ورد فيها فضل القيام؟ قال: لا، القيام قال فيه r، كذا وكذا، من الأحاديث العامة في القيام، يذكر أحاديث القيام، فضل التهجد وقيام الليل، يا أخي هذه أحاديث عامة، لماذا وضعتها لليلة النصف من شعبان؟ قال: العام يدل على الخاص، نقول خطأ، شرع اللـه ورسولـه للعمل بوصف العموم والإطلاق لا ينبغي أن يكون مشروعاً بوصف الخصوص والتقييد، لأنه زيادة.
والتخصيص في المكان، كالذي يتحرى الدعاء للـه عند قبر من القبور، أما دعاء المقبور فهو شرك، كفر، إذا قال: يا بدوي، يا سيد، يا عمودي يا كذا، هذه كلـها شرك باللـه عز وجل، لأنه دعاء غير اللـه، لكن البدعة أنه يقول: الدعاء في هذا المكان يكون أفضل مقبول، فيذهب عند القبر ويدعو، هذا بدعة منكرة وكبيرة من كبائر الذنوب بل هي من أشنع البدع.
يقول الإمام الشاطبي- رحمه اللـه- في هذه القاعدة: ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية، أن يكون أصل العبادة مشروعاً، إلا أنها تُخرج عن أصل مشروعيتها بغير دليل توهماً على أنها باقية على أصلـها تحت مقتضى الدليل وذلك بأن يُقيد إطلاقها بالرأي، مثل أن أكون عند أبي مثلاً وكلما رأيته أقول: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي)، هذه ورد عليه دليل خاص؟ لم يرد،هو يستدل بالإطلاق، يقول الشاطبي: وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، وقال: وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمراً في الجملة مما يتعلق بالعبادات فأتى به المكلف في الجملة أيضاً، كذكر اللـه والنوافل المستحبات، كان الدليل عاضداً لعملـه من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة العمل السلف الصالح به.
معنى كلامه: أنك إذا قلت، ذكرت اللـه عز وجل في كل وقت أنت ملتزم بالأمر المطلق- لا زال الكلام موجود-: فإذا أتى به المكلف ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مقارناً بعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متُخيلاً أن الكيفية والزمان والمكان مقصودٌ شرعاً من غير أن يدل الدليل الخاص عليه، كان الدليل بمعزلٍ عن هذا المعنى المستند عليه.
نأخذ تطبيقات:
الأول: النبي r يقول: "أفشوا السلام بينكم"، لو جاء إنسان قال: أنا كلما صليت إذا سلمت على طول أسلم على الذي بجانبي، مصاب، "وإذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر"، هذا الأمر ليس أمرا مطلقا؟ هل قال: سلموا على إخوانكم بعد الصلاة؟، ما ورد، هنا يا إخوان من سلم لا نقول أنه خرج من الملة أو فعل كبيرة من الكبائر، نتكلم على الأشبه بالسنة والأشبه بالأشياء المحدثة، أو غير مشروعة، يتحرى فيها الإنسان، لا نغلظ، حتى نسلم، لو سلم علي أحد بجانبي وهو عامي سلمت عليه، لأنني أدري لو فهمته لن يفهم، فالأمور نأخذها باليسر والسماح، الآن عندنا أمر مطلق، وهذا الأخ جزاه اللـه خيراً، يعني كلما صلى سلم على جانبه يمين ويسار، على طول، بل بعضهم يكون يتحدث معي قبل الصلاة يسولف، فلما قمنا للصلاة وقد سلمت عليه قبل الصلاة، قام وسلم مرة ثانية، الناس في هذه المسألة طرفان ووسط، في هذا التطبيق طرفان ووسط، فمنهم من يستحب السلام بعد الصلاة مباشرة، وقبل أداء الأذكار الواردة حتى وإن كان قد سلم على صاحبه، ومنهم من لا يسلم على من جاوره مطلقاً خشية من الوقوع في البدعة، فيثير الوحشة بين إخوانه من المسلمين من غير مستند، ومنهم وسط وسط متبع للسنة، مؤدٍ للحقوق، فإن كان قد سلم على صاحبه قبل الصلاة، لم يسلم عليه بعد الصلاة، وإذا كان لم يسلم عليه بعد الصلاة، جاره أو صديقه، أو قريبه، أو واحد من الناس بعدما يؤدي الأذكار قال: السلام عليكم، من قال بأن هذه بدعة، لا أحد يقول بأن هذه بدعة، غير المشروع هو أننا نلصق السلام بالعبادة،ما معنى أن تكون سلمت علي قبل الصلاة, ثم قمت وسلمت علي بعد الصلاة وأنا بجانبك؟ أليس معناه أن السلام مربوط بالصلاة؟ يعني باللـه عليكم هذا الشخص- لا مؤاخذة يعني- لو أن إنسان بجانبك في البيت أو في أي مكان فقام فتحرك وتمغط أو قام بتمارين سويدية ثم جلس، ثم قال: السلام عليكم، ماذا تقول؟ تقول: لماذا تسلم يا أخي، أنا فصل بيني وبينك شيء؟ تقول: أنت مبتدع تدخل التمارين السويدية مع السلام، ما يصلح هذا، نقول: كذلك الصلاة لم يفصل بيننا شيء، فإذا لم يفصل بيننا شيء وأنت سلمت علي قبل الصلاة لا تعد السلام بعد الصلاة، فإن كنت ما رأيتك وما سلمت عليك، سلمت عليك، وهذا هو الوسط بين هذه الأقوال.
قال الإمام القرافي المالكي- رحمه اللـه- في كتابه "الفروق" عن المصافحة بعد السلام: "إذا تلاقى الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما وكان أقربهما إلى اللـه أكثرهما بشراً"، فدل الحديث على مشروعية المصافحة عند اللقاء، يقول: وما يفعلـه أهل الزمان من المصافحة عند الصلاة بدعة غير مشروعة، يقول: وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام- سلطان العلماء رحمه اللـه- ينهى عنه وينكره، وينكر على فاعلـه، ويقول: إنما شرعت المصافحة عند اللقاء، أما من هو جالس مع الإنسان فلا يصافح- والكلام لعز الدين-، وذكر ابن رشد- والكلام للقرافي ينقل عن ابن رشد عن الإمام مالك-، وذكر ابن رشد عن الإمام مالك أنه يكره السلام والمصافحة بعد الصلاة.
أعيد فأؤكد مع أننا نقول أن هذا غير مشروع، إذا كنت قد سلمت عليه قبل الصلاة، فأيضاً لا نشدد على الناس، ولا ينبغي لطالب العلم إذا عرف مسألة من المسائل أن يبادر بها العامة والذين لا يفقهون ولا يعرفون ثم يبادرهم بذلك، يقولون: أنت ترى السلام غير مشروع، وأنت لا تحب اللقاء ولا البشر ولا كذا ولا كذا، وكما قال بعض السلف: ما أنت محدث قوماً بحديثٍ لا تبلغه عقولـهم إلا كان لبعضهم فتنة.
فأنت تنشر العلم على قدر ما تحتاج إليه وعلى قدر ما يُسمع منك هذا العلم، "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذب اللـه ورسولـه".
من التخصيص غير المشروع، تخصيص أيام الأعياد والجمع لزيارة المقابر، ترى المقابر أحياناً إذا جاء يوم الجمعة يجد السيارات شغالة، هل في جنازة؟ لا ما فيه جنازة، ترى كل واحد واقف على قبر أبوه أو أمه أو قبر قريبه، عمل الزيارة طيب، وفيه نفع إن شاء اللـه للميت أنك تدعو لـه، ولكن لماذا اخترت الجمع؟ ليس هناك مبرر زره في أي وقت، العيد، هل هي معايدة؟ ليس هناك دليل على هذا، زره في أي وقت، دون أن تخصص وتعين وقتاً دون وقت.
ثانياً: الصلاة والسلام على النبي r عند البخور، أول ما يأتي صاحب المنزل ويأتي بالبخور يقول: اللـهم صل على محمد، وحتى إذا تأخر صاحب المنزل في إحضار البخور، قال: اللـهم صل على محمد، الآن الصلاة على النبي r أفضل القربات وأفضل العبادات، ولكن أجعلـها بشكل دائم، اللـهم صل وسلم على محمد، بشكل دائم لا تربطها بأشياء محددة ومعينة، الذي يقول بعدم مشروعية هذا الذكر عند البخور، هو خيرٌ من الذي يقول هي مشروعة عند البخور، وبعضهم يعلل ذلك بعلل من الرأي، يقول: إنني إذا رأيت الطيب تذكرت النبي r لأنه يحب الطيب، سبحان اللـه، ألم تتذكر اللـه عز وجل الذي بعث محمداً r؟ لا تقول: لا إلـه إلا اللـه؟ لا تقول: سبحان اللـه وبحمده سبحان اللـه العظيم، وهو أفضل لك من صلاتك على النبي r، أي ذكر اللـه عز وجل مجرداً عن الصلاة على النبي r، والأمر كما قلت أيضاً يسير، ولكن ينبغي للإنسان أن يتتبع السنة ويحرص عليها، والصلوات على النبي r محددة في أوقات معينة، تصلي عليه r، وما ليس في أوقات محددة فلا تحدده بالرأي، صل عليه في كل وقت وأنت ذاهب وأنت داخل وأنت خارج، وأنت في مكتبك، وأنت عند أهلك، اللـهم صل على محمد، ذكر الناس في المجالس هذا عمل طيب ومشروع، لا تربطها بأشياء معينة.
القاعدة التالية:
قاعدة المضاهاة:
وهي قريبة من قاعدة التخصيص والتقييد، التزام الاستمرار على عبادة أو المداومة على فعلـها بصفة أو مقدار، أو إضافتها إلى زمان أو مكان، أو عبادة أخرى لم ترد الشريعة بالتزام شيء من ذلك، هو مضاهاة للمشروع، فهو محدث حتى مع تخلف نية التعبد بخصوص هذه الـهيئة.
ما الفرق بين قاعدة المضاهاة وقاعدة التخصيص والتقييد؟
كلامنا الآن نقول إضافتها إلى زمان ومكان، هذا تخصيص وتقييد، أنا فصلتها من عندي وإلا المعاني متقاربة، وهي قضية اصطلاحية لا أثر لـها في الحقيقة، لكن التخصيص والتقييد يفترق عندي عن المضاهاة أن التخصيص والتقييد الإنسان يقول بأن هذا العمل مثل الصلاة على النبي r عند البخور، مشروعة عند البخور، بالدليل المطلق والدليل العام،- لاحظ أنه قصده-، أما المضاهاة التي أردتها هنا وهي مداومة الإنسان على شيء غير مشروع، لكن لو سألته لماذا فعلت ذلك؟ قال: لا أدري، رأيت الناس يفعلون،وأنا أعمل هذا لـهذا الغرض، هذا حتى وإن ما قصد التخصيص ولا استدل بالأدلة العامة على خصوص الفعل، ولا استدل بالأدلة المطلقة على الوضع المقيد، فهي مضاهاة للمشروع، أنا أضرب مثال، وبالمثال يتضح المقال: الاستغفار نهاية خطبة الجمعة الأولى، وهذا جاءني سؤال عنه قبل الحلقة الماضية، الاستغفار نهاية خطبة الجمعة الأولى، الأمر بالاستغفار، فاذكروا اللـه الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، أكثر الخطباء تقول لـه:لماذا تفعل هذا؟ لا يقول أنا أفعل لأن الأدلة المطلقة في الذكر وقراءة القرآن قد دلت على ذلك، فهي تصح في التخصيص والتقييد، لا يقول هذا الكلام، يقول ليس فيه شيء هذه آية، هذا ذكر، هذا ليس فيه أي شيء...إلخ.
أنا أريد أن أقول بأن المداومة على العمل بحيث لا ينقطع أبداً هو عمل غير مشروع، إلا إذا ورد الدليل على خصوص الأمر بالاستغفار في نهاية الخطبة، أو الدعاء للخلفاء الأربعة، أو غيرها من الأحوال، ما هو الدليل على صحة هذه القاعدة؟
هي أوجه في التعليل:
الوجه الأول: أن ما وجب الاستدلال لشرعية مداومته، وجب ترك هذه المداومة عند عدم الدليل، ما معنى هذا الكلام؟
أطرح سؤال: لو أن إنسان قال لك إذا صليت الورد وأوترت فسبح اللـه ثلاثاً وثلاثين واحمد اللـه ثلاثاً وثلاثين، وكبر اللـه ثلاثاً وثلاثين، وقل تمام المائة لا إلـه إلا اللـه، ماذا تقول لـه؟
فتقول: ما هو الدليل؟ الذكر الذي بعد الوتر سبحان الملك القدوس، حديث علي t "اللـهم أني أعوذ بك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك"، هذا الثابت عن النبي r فيما بعد الوتر، فتقول ما هو الدليل على أنني أداوم على هذه الصيغة المحددة؟
أنت ماذا تفعل إذا عدمت الدليل؟ ألست تترك التسبيح على هذه الـهيئة؟
فنحن نقول إذا: ما وجب الاستدلال به على مشروعية مداومته، يعني وجب عليك أن تستدل إذا قلت بمشروعيه، وجب علي أن أترك هذه المداومة عند عدم الدليل.
مثال آخر: المداومة على أذكار الصباح والمساء، مثل: أمسينا وأمسى الملك للـه، مثل: سيد الاستغفار وغيره من الأذكار، مشروعة بالدليل الخاص، ورد دليل خاص على أن تقال في الصباح والمساء، إذا جاءك إنسان وقال لك: داوم على ذكر معين عند زوال الشمس يومياً، إذا كانت الشمس في كبد السماء فقل: اللـهم مقلب القلوب فاطر السموات والأرض، وكذا وكذا، وبالأفلاك وفعلت كذا وكذا، اللـهم اغفر لي وارزقني وعافني.. تداوم عليه عند كل زوال الشمس، لأن زوال الشمس فيه دلالة على تحول كوني، ماذا تقول لـه؟ تقول لـه: هل فيه دليل؟ ليس فيه دليل، أنت يا أخي ضاهيت المشروع، المشروع هو أذكار الصباح والمساء وأذكار كذا وأذكار كذا، وأذكار المطر، وأذكار رؤية الـهلال هذه هي الأذكار التي شرعها اللـه ولو كان هناك شرع للـه عز وجل في الزوال لذكره النبي r ...إلخ.
مثال آخر: إذا وجب الاستدلال لمشروعية الركعة المفردة، الآن الوتر عبادة تختلف عن بقية العبادات، نقول إذا وجب الاستدلال للركعة المفردة وهي الوتر، وجب تركها أيضاً عند عدم الدليل، إذا جاء أحد وقال: فيه وتر، قلت: وما الدليل على الوتر؟ ليس عنده دليل، ماذا يجب عليك؟ أن تترك الوتر إذا لم يكن عليه دليل، لكن هو عليه دليل في الواقع، فإذا قيل إن مثالك للوتر هنا لا يصلح، لأنه إحداث في بنية العبادة نفسها، زاد ركعة، لازم أطالبه بالدليل، وما نحن فيه إنما هو قصد للزمان أو المكان فقط دون إحداث في بنية العبادة، أقول: من هنا سهل بعض الناس في مسائل الالتزامات، يا إخوان العبادات ليست صلاة فقط، العبادة هي عبادة صلاة فقط لكنها مربوطة بمكان، والصلاة هي صلاة لكنها مربوطة بزمان، والصلاة هي صلاة لكنها يضم فيها عبادة إلى عبادة، فإذا أنت ربطت شيئاً بزمان، أو مكان أو ربطت عبادة بعبادة من غير دليل، فعملك هذا غير مشروع، حتى وإن كنت ما استدللت بالأدلة المطلقة والأدلة العامة على خصوص فعلك، الذي دل عليه القاعدة السابقة، يعني باختصار مثل الآن ما يفعلـه الخطباء، في الأمر بالاستغفار في نهاية الخطبة، تقول لماذا تفعل هذا؟ هل هو بالأدلة المطلقة؟ قال: لا، الاستغفار طيب دع الناس يستغفرون يا أخي، نقول: يا إخوان الزمان والمكان وضم العبادة إلى عبادة، والـهيئة والكيفية كلـها من مقاصد العبادة، باللـه عليكم يا إخوان الجمعة تتصور بغير اجتماع؟ إذا فاتتك اجتماع الجمعة صليها أربع، لا تصح الجمعة بإجماع المسلمين، إلا ركعتين ومع جماعة إذاً الاجتماع عبادة، لو جاء إنسان وقال: يا جماعة هذا خير إذا صلينا العشاء إن شاء اللـه، نصلي السنة الراتبة جماعة، هل يصلح هذا؟ لماذا لا يصلح يا إخوان؟ ثم يقوم يداوم عليه، لماذا لا يصلح؟ لأن الاجتماع على العبادة قد شرعه اللـه عز وجل في أنواع من العبادات، فإذا شرعته أنت في عبادة أخرى فقد أحدثت، رغم أنه لم يفعل شيء، هو لم يفعل شيء العبادة هي العبادة لكنه جمع الناس عليها وجعل لـهم إماماً.
ولو صح الاستدلال بالأدلة المطلقة وغيرها للزم من ذلك لوازم منها:
اللازم الأول: أن لمن شاء سن ما شاء من العبادات، مثل صلاة الضحى جماعة، وأداء السنن الرواتب جماعة، ولجاز اختراع أشياء لا تحصى من الأذكار والأدعية ويجعل لكل حال دعاء خاصا يداوم عليه، وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى لأنها كلـها داخلة في العمومات والمطلقات.
اللازم الثاني: أن يكون استدلالات العلماء لأنواع العبادات الملتزمة إنما هي نوع من التورع فقط، يعني العلماء يتعبون أنفسهم ويذهبون أوقاتهم في شروح الآيات والأحاديث وغيرها في ذكر الأحكام، أحكام التكبير والتهليل والتسبيح والاستغفار، ومتى يقال، ومتى لا يقال، في أي وقت وبعد أي وقت، فهذا عبث، كل من جاء جعل الذكر يتبع الذكر هذا ويقال هذا ذكر للموضع الفلاني، في الموضع العلاني كما شاء، وهو بذلك إما أن يكون مخصصاً من غير برهان أو أن يكون مضاهياً للعبادة حتى ولو لم يقصد التخصيص، الصورة صورة عبادة، يعني الإمام إذا قال (إن اللـه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) في كل خطبة جمعة، باللـه عليكم يا إخوان ألا نتصور أن الرسول r أمر بهذا؟ يعني أنا وقعت لي واقعة يعني بلغتني، إن إنسان خطب مرة من المرات ولم يقل (إن اللـه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، ولم يأمر الناس بالاستغفار في نهاية الخطبة، لكنه كان صغيراً في السن، في أوائل الطلب فلما انتهى من صلاة الجمعة قال: أن الجماع شكو، لماذا أحضرتم لنا الغليم هذا؟ قال: وماذا فيه؟ قالوا: ما يعرف السنة في الخطب، قال الخطيب الأصلي: وما السنة؟ قال: لم يأت بالاستغفار ولا بكذا ولا بكذا ولا ذكر الخلفاء الراشدين، ولم يأت (إن اللـه يأمر بالعدل والإحسان)، ولا أتى بالزلازل والمحن، ولا التي دائماً تذكر في الخطب، قال الخطيب: يا أخي هذا غير المشروع، هذا غير مشروع المداومة عليه، والرسول r ما ورد عنه أنه داوم على شيء من هذه الأفعال، وقال: هذا لا يعرف السنة، انظر كيف ضاهى بالمشروع حين داوم عليها، داوم عليها والتزمها، فضاهت المشروع وأصبحت مثل العبادة، فكانت إذاً قاعدة المضاهاة.
الصحابة كانوا يشددون النكير على إضافة عبادة لعبادة، حتى مع تخلف النية، هذا مجالد بن مسعود t حين قال: (وكبره تكبيراً) كبروا، قال: بدعة.
وذكر بعض العلماء عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وإسحاق أن قول القائل خلف الجنازة: استغفروا لـه، هؤلاء هم أئمة المسلمين وفقهاء المذاهب الأربعة قالوا: قول القائل خلف الجنازة: استغفروا لـه،- ذكر ودعاء واستغفار ليس فيه شيء- قال الأوزاعي: بدعة، هذا كلام أئمتنا وأعلامنا ليس كلام المتأخرين، ولا أنصاف المتعلمين، كما يقول بعض الناس: إن هؤلاء الجهلة يجعلون هذه الأشياء بدعاً أو غير مشروعة.
وقال عطاء: محدثة.
وقال سعيد بن المسيب في مرضه: إياي وحاديهم، هذا الذي يحدو لـه يقول استغفروا لـه.
يا أخي الاستغفار طيب وذكر، ومع ذلك أئمة الدين وأعلام الـهدى يقولون: بأنه غير مشروع، ما السبب؟ كلـه لأجل المضاهاة، لأن الاستغفار للميت أين هو يا إخوان الذي يداوم عليه؟ بعد الدفن أو عند الدفن، "استغفروا لصاحبكم واسألوا لـه التثبيت فإنه الآن يُسأل"، الصحابة والتابعون وقفوا عند الوارد، استغفروا لـه، الناس مع الجنازة استغفروا لـه أو وحدوه، أو لا إلـه إلا اللـه، أو ترانيم وتوشيحات، كلـها ما وردت.
وقال فضيل بن عمرو: بينما ابن عمر في جنازة سمع قائلاً يقول: استغفروا لـه غفر اللـه لكم، فقال ابن عمر: لا غفر اللـه لك- ذكر، أين أصحاب المطلقات والعمومات؟.
وقال أحمد: ولا يقول خلف الجنازة سلم رحمك اللـه فإنه بدعة، ولا يقول بسم اللـه وعلى ملة رسول اللـه r، ويذكر اللـه إذا تناول السرير...إلخ.
فهي إذاً مضاهاة للمشروع فالشريعة قد شرعت الاجتماع على العبادة كصلاة الجماعة، وشرعت الكيفيات وشرعت الـهيئات، والأزمنة والأمكنة، فمن التزم مكاناً أو زماناً بغير دليل ففعلـه غير مشروع.
لكن لو إن الإنسان فعلـها أحياناً، ليس في مشكلة، القضية نحن عندنا في المضاهاة، لأن الشريعة قد سنت لنا كيفيات وهيئات، وأزمنة وأمكنة بما فيه الكفاية، فإذا جاء إنسان وسن زمان ومكان وهيئة وكيفية من عنده وداوم عليها قلنا إن هذا غير مشروع، هذا غير ما فيه من سد الذريعة من اعتقاد أن ما داوم عليه الناس بأنه سنة.
يقول الإمام ابن تيمية- رحمه اللـه- في تقرير قاعدة المضاهاة أو في شرحها: وأصل هذا أن العبادات المشروعة التي تكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سنناً ومواسم قد شرع اللـه منها ما فيه كفاية عباده، فإذا أحدث اجتماعاً زائداً على هذه الاجتماعات يُعتاد- يعني مداومة- كان ذلك مضاهاة لما شرعه اللـه وسنه، وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه، بخلاف ما يفعلـه الرجل وحده، أو الجماعة المخصوصة أحياناً. أنت الآن وجدت مع جماعة في البيت فقلت تصلون الليل جماعة لا بأس، مرة واحدة ليست مداومة، كل كلامنا يا إخوان هو على المداومة فقط.
قد يقول قائل: بأن البدعة هنا تكون فيمن اعتقد المشروعية لذات العمل المركب، بمعنى قال: المبتدع هو من يقول: بأن ذكر الآية أو الأمر بالاستغفار أو (إن اللـه يأمر بالإحسان) أو غيرها من الآيات في الخطبة، إن هذا العمل المركب من الآية والخطبة، إذا قصدت بأنه عبادة هذا هو البدعة، عبادة محضة، فمن اعتقد أن هذا العمل من الدين أو أن النبي r قد جاء به، هذا هو المبتدع وعملـه هو البدعة، أما مجرد الاعتياد فقط، أنا اعتدت على هذا العمل، في زمان أو مكان فهو خارج عن حد البدعة فماذا نجاوب على هذا القول؟
يعني بعض الناس يقول أنا آمر بالاستغفار وأفعل وأفعل ...إلخ، وأنا لا أريد بها العبادة المحضة، أنا معتاد فقط، نقول أن هذا الفعل تكرار العمل لا يخلو عن ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون هذا التخصيص والعمل بسبب معقولا، كالتفرغ والنشاط، أي أنه اختار الالتزام والتخصيص لأمر يقصده أهل الفراغ عادة كمن يكثر من قراءة القرآن مثلاً يوم الأحد، لماذا، يوم الأحد طبعاً إذا كان في أوربا أو أمريكا، أو في أي مكان إجازته يوم الأحد، لكونه وقت تفرغه وإجازته، وقت العمل عندي اثنا عشرة ساعة وموزع على دوامين، ولا عندي وقت للراحة، وبين الدوام الأكل والشرب والنوم حتى عيالي ما لـهم مني نصيب، وقت فراغي الوحيد هو يوم الأحد وهو عطلة الأسبوع، نقول بدعة أنك تقرأ جزءاً في كل أسبوع؟ بدعة أنك تتفرغ لتسبيح وبعض الذكر في هذا الوقت؟ لا، المعنى معقول أنا ليس عندي وقت، لكن أن تصمد إلى خطبة معينة أو زمان معين أو مكان معين، وتلتزم فيه عادة معينة وتواظب فيه من غير برهان، هذا فيه مضاهاة للمشروع.
ومثل ذلك أن يكرر العبادة لمعنى يقصده العقلاء عادة، كآية تضمنت عشرة معانٍ مثلاً، فرددها في عشر خطب، موضوع كل خطبة في معنى من معاني هذه الآية، يعني دعونا في مثال الآية (إن اللـه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)، ستة معان في كل خطبة تحدث عن معنى من هذه المعاني ثم ذكر الآية، لا نقول بدعة، هو ذكر الآية لغرض التعليم وموضوع الخطبة أصلاً عن موضوع الآية، فلا بأس بهذا ولو كرر عشرين مرة أو ثلاثين مرة على حسب الحاجة، وعلى معنى يقصده العقلاء عادة هذه الحالة الأولى معنى يقصده العقلاء عادة.
الحالة الثانية: أن يعتقد الأفضلية المطلقة العامة لـهذا التكرار، كمن يقول إن صيام يوم ختم القرآن، أو صيام يوم المولد مستحب على الدوام، وأنه من الدين بهذا الخصوص وعلى هذا الترتيب، وهذا بدعة حقيقية، فهي خارجة أيضاً في نظري وليست محل الخلاف.
الحالة الثالثة: إن هذه المداومة الملتزمة المضاهية للشريعة، ألا يعتقد مشروعية هذا الالتزام على هذه الكيفية أو ذلك الزمان أو المكان، أو تلك العادة، ولكنه يرى أن ذلك أنفع للناس في عموم الأحوال، تقول لماذا تكرر هذه الآية وتأمر بالاستغفار في كل نهاية للخطبة لماذا؟ يقول: الآية تضمنت معاني عظيمة والاستغفار يمحو الذنوب والخطايا، فهو خير للناس في جميع الأحوال في جميع الأمكنة في جميع الأزمنة، ونقول في الرد على هذا: بأن لو كان كلامك صحيحاً لكان النبي r قد نبه عليه، يتركها النبي r وهو خيرٌ للناس في جميع الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال؟ عيأذن باللـه، وهذا استدراك على الشريعة، هذه هي الحالة الثالثة إذاً هي حال باطلة لو ادعاه.
الحالة الرابعة: أن يكون هذا التكرار لـهذه الآيات في هذه الخطب أو غيرها، أن يكون هذا التخصيص والالتزام إنما هو بحكم الإلف والعادة، فهو رأى الناس يلتزمون هذه الأشياء فالتزمها، فهو معهم، لكن لا يدري لماذا يكررها، فقد جعل هذا عادته وإلفه، كالدليل عند أهل الاتباع والأثر، يعني إذا قلت لإنسان يا أخي كرر آية (وسبحوه بكرة وأصيلاً) في نهاية كل خطبة، قال: لماذا؟ قالـه الإمام أحمد، قال: الإمام أحمد مشرع؟ لكن الآن ما هو المشرع عنده؟ العادة، هو الآن أخذ الإمام أحمد الإمام الرباني- رحمه اللـه- أخذه من هنا ووضع بدالـه العادة، والإمام أحمد خيرٌ من العادة، فانظر ماذا يفعل العادة والإلف بقلوب الناس وأحوالـهم.
وإذا أراد المرء أن يعرف حقيقة حالـه وموقعه الأساسي وهل هو أسير للعادة أو لا، فلينظر إلى هذا الالتزام والعادة هل يجد في قلبه إنكاراً أو لا، كمن أبدل الصلاة على النبي r عند البخور بالترضي على الصحابة- مثلاً- فإن قال النبي r أولى بذلك، قيل: فاللـه تعالى أولى، وكون جعل قول خطيب الجمعة في الخطبة الأولى: بارك اللـه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللـه لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم" لو جعل ذلك في نهاية الخطبة الثانية، وداوم عليه ماذا يفعل الناس به؟ قالوا: غير. وأعيذ باللـه عز وجل كل طالب علم أن يهون من هذه المسائل ويسخر من إثارته، لأنني أرى أن السخرية منه سخرية بالسنة، وهزوءاً بالعلم الشرعي، ويسخر من إثارتها لأنه ألفها، في الوقت الذي يشنع فيه على غيري في مسائل أخرى مثيلة لمسألتي تماما لأنه هو نفسه لم يألفها، جاء في "الفروع" لابن مفلح- رحمه اللـه- أنه قال: فمتى رام المتدين إحياء سنة أنكرها الناس وظنوها بدعة، ولقد رأينا ذلك- والكلام لـه- القائم بها يعد مبتدعاً كمن بنى مسجداً ساذجاً- أي بدون زخارف- لو بنى مسجداً بدون زخارف قالوا: هذا مبتدع-، أو كتب مصحفاً دون زخرفة، أو صعد منبراً فلم يتسود- أي: بفظ السيادة- ولم يدقّ بسيفه مراقي المنبر- هذه بدع في وقته كان يعاني منها-، ولم يصعد على علمٍ ولا منارة، ولا نشر علماً- أي في أثناء الخطب- فالويل لـه كم هو مبتدعٌ عندهم.
قال: أو أخرج ميتاً لـهم بغير صراخٍ، ولا تخريق ولا قراعٍ ولا ذكر صحابة على النعش ولا قرابة) أ. هـ - رحمه اللـه-.
تنقلب السنن بدعاً والسنن بدع.
أنقل كلام للشاطبي في نهاية هذه القاعدة، يقول- رحمه اللـه-: ومثال ذلك في المضاهاة أن يُقال: أن الصوم في الجملة مندوب إليه، لم يخصه الشارع بوقتٍ دون وقت، ولا حد فيه زمان دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء، فإذا خصَّ منه يوماً من الجمعة بعينه- الجمعة يعني لعلـه الأسبوع-، أو أياماً من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما عينه الشارع، فإن ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار المكلف، كيوم الأربعاء مثلاً في الجمعة، والسابع والثامن من الشهر، وما أشبه ذلك بحيث لا يقصد بذلك وجهاً عينه، مما لا ينثني عنه، فإذا قيل لـه- وهذا موضع الشاهد-: لِم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم يكن لـه بذلك حجة غير التصميم- أنت لماذا تكرر هذه الأحاديث والآيات في كل خطبة جمعة؟ ما يدري، وهو ما لم يعلم أنه ضاهى بفعلـه الشريعة، ولبّس بذلك على الناس-، يقول: لم يكن لـه في ذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات عليه، أو أن الناس يفعلونه، فلا شك أنه رأيٌ محضٌ بغير دليل ضاهى به تخصيص الشارع أياماً بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المُكلّف بدعةً إذ هي تشريعٌ بغير مستند).أ. هـ من "الاعتصام".
ونحو هذا الكلام تماماً أو قريباً منه عن ابن تيمية، اتركه اختصاراً.
من التطبيقات: - أسرده على عجل-:
- الصلاة على الأنبياء عليهم السلام عند ذكرهم في الصلاة، ومن ذلك التزام القارئ- أي من المضاهاة للمشروع-، التزام قارئ القرآن صدق اللـه العظيم عند نهاية القراءة، مضاهاة للمشروع، ماذا تريد يا أخي بكلمة صدق اللـه العظيم؟ أريد بها الأجر والمثوبة، يا أخي صدق اللـه العظيم هل تركها النبي r وأصحابه هل تركوه؟ قال: نعم تركوه، هل تركوها مع وجود المقتضي لـها؟ قال: نعم، ومع انتفاء المانع؟ قال: نعم، وهي عبادة في نفسها وملصقة بعبادة ليست عادية؟ قال: نعم، فلماذا تفعلـها إذاً؟ يقول: لا أدري، أيضاً لا نقول خرج من الملة ويوصف بالمبتدع ويشار إليه بالبنان على أنه صاحب البدعة، هذا خطأ، لكن أنا وأنت إذا اقتنعنا بهذا الكلام أن نتركه وأن نعلم أيضاً من يقبل التعليم من الناس من غير ضجيج ولا إثارة خلق اللـه عز وجل.
- ومن ذلك التزام الحفلات بالافتتاح بالقرآن- أقول التزام- لكن في حفلة من عشر حفلات، قرئ القرآن في أولـه أو في آخره، طيب حسن، لكن في كل حفلة لازم نبدأ بالقرآن الكريم، وإلا ما كان، وافتتاح أيضاً الإذاعة بالقرآن واختتامها بالقرآن، أيضاً هذا غير مشروع، هذا من محض الرأي، لو كان القرآن معظماً لما بدأنها بالقرآن وجعلنا في داخل المجون والفسق والخلاعة التي تردد في كثير من إذاعات العالم.
- ومن ذلك التزام القراءة في الجمعة بآيات تناسب موضوع الخطبة، ويرون التفنن أن الخطيب يقرأ في نفس موضوع الخطبة، ولو كان خيراً لسبقنا إليه النبي r والصحابة- رضوان اللـه تعالى عليهم-.
- ومن ذلك المضاهاة في دعاء ختم القرآن في القنوت، نقول دعاء ختم القرآن إذا كان في الشفع فهي بدعة حقيقية في نظري، وليست بدعة إضافية، ولكن إذا كان في الوتر ولكن زاده، صدق اللـه العظيم المتفرد على الجلال تعظيماً وتعظيماً، والذي فعل وفعل كذا وكذا تقديساً وتبجيلاً والذي فعل كذا وكذا... إلخ.، دعاء مخترع وعلى هيئة مخصوصة، وإذا قيل للناس: ما هذا الدعاء؟ قالوا: دعاء ختم القرآن الكريم، رغم أنه لم يرد حتى عن أنس وابن مسعود والصحابة الذين ورد عنهم دعاء ختم القرآن، ما ورد عنهم دعاء معين، بل كانوا يرون أنه من مواضع إجابة الدعاء فقط، ادع اللـه عز وجل أن يدخلك الجنة يا أخي، لا تدع اللـه عن القرآن الكريم، واجعلـه حافظاً وشافعاً، والقرآن الكريم وأولـه وآخره، والقرآن الكريم واجعلـه كذا، والقرآن الكريم، كل الدعاء عن القرآن الكريم، أو ثلثه أو ربعه، الدعاء وهو مكان لإجابة الدعاء فادع اللـه بخيري الدنيا والآخرة، ومن ضمنها أيضاً القرآن أن يكون شافعا ومشفعا، وهكذا، ولكن من غير تخصيص ومداومة، فنقول دعاء الوتر وتر فقط كالمعتاد، فلا تزيد لأجل الختم، اليوم ختم القرآن إذن نجعل ربع الدعاء أو عشره عن القرآن لأنه يناسب ماذا، بالرأي فقط، وليس بدليل، لأنه يناسب ختم القرآن، أين هذا في فعل النبي r وفعل الصحابة، وفعل أنس وفعل..، أين هذا؟ ليس فيه دليل، هذه مضاهاة للمشروع، حتى وإن كان في قنوت الوتر.
- من المضاهاة تخصيص هذه الليلة وإنارة المساجد وتبخيرها وتعطيرها وفتح الأماكن الأخرى لأنه يوم الختم، هذا أيضاً فيه زيادة، فيه زيادة عبادة وزيادة أعمال نفعلـها لأجل هذه العبادة، يوم الختم كغيره، ادع اللـه من خيري الدنيا والآخرة بجوامع الدعاء وهو موضع من الإجابة، يعني أنت الآن إذا كان يوم الجمعة موضع للإجابة من أن يدخل الخطيب حتى تقضى الصلاة، وفي آخر ساعة من الجمعة، أنت تقول: اليوم الجمعة الذي ولد فيه آدم وفيه كذا وفيه كذا، وفيه المحشر اللـهم اجعلنا... الذي فيه كذا لأجل كذا، اللـهم اجعل يوم الجمعة الذي اجعلنا فيه، وورد فيه، ويوم الجمعة الفضيل، ويوم الجمعة الذي قيل عنه وقيل عنه، لا، يوم الجمعة أوقات إجابة الدعاء تدع خيري الدنيا والآخرة.
- ومن المضاهاة، أن يكون ذلك في كل ليلة محددة فيلتزمها كل سنة، كليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين، وأن يكون هذا في نهاية قيام الليل الأول وليس في قيام الليل الآخر، هذه مضاهاة، يا أخي اقرأ القرآن حتى تختم، فإذا ختمت في نصف الصلاة، في آخرها في أولـها، فادع اللـه عز وجل في سجودك، بعد الصلاة، في أي وقت، هذا وقت إجابة الدعاء وهو ختم القرآن، ولكن لا، بالتحديد وقد يأتي الإمام ويرتب الأحزاب حتى ينهي الصلاة في وقت محدد، يقول يا جماعة: ترى الختمة في الوقت الفلاني في الساعة الفلانية، في آخر الليل أو في أول الليل، هذا مضاهاة، لا تحدد اقرأ القرآن حتى ينتهي ثم ادع، ادع فهو وقت إجابة إن شاء اللـه وهو عند ختم كتاب اللـه عز وجل، هذه بعض أوجه المضاهاة في دعاء ختم القرآن حتى وإن كان في القنوت.
- ومن ذلك المداومة على بعض الآيات والأحاديث في خطبة الجمعة وقد ذكرتها في الأمثلة.
نختم القاعدة نقول: بم تزول المضاهاة؟
بعض طلبة العلم يقول: تزول المضاهاة بتركها مرة واحدة، أنا قلت في خطبة الجمعة ثلاثين يوم أطلب من الناس الاستغفار في نهاية الخطبة الأولى، ولكن أتركه يوم أو يومين، هل تزول المضاهاة بهذه الطريقة؟
تزول المضاهاة بأن يكون الفعل هو الأقل، آتي إلى خمسة وعشرين يوما وأجعل فيها الأذكار، ثم البقية أقول واللـه أنا أزلت المضاهاة، زوال المضاهاة لا تعملـها في الشهر إلا مرة، أو مرة أو مرتين- على سبيل المثال- أن يكون هو الأقل، ما تكون هي السمة الغالبة حتى لا تضاهي العبادات الشرعية سواء كانت ذكر أو آية في خطبة الجمعة، أو في الصلاة أو أذكار عامة أو خاصة، تزول بترك الأكثر، بحيث من جاء ما قال أن فلان يداوم على هذا الفعل، قال: يأمر أحياناً بالاستغفار، يذكر آية (إن اللـه يأمر بالعدل والإحسان)، يذكر هذا الذكر عند كذا وكذا، إذا رأى الجنازة قال: اللـهم أحسن خاتمتنا، يعني أحياناً ليس في كل جنازة وفي كل وقت يأمر بالاستغفار في الجنازة يأمر بكذا، يأمر بكذا، يجعلـها دائمة في عملـه وفعلـه.
الأسئلة:
1- يقول الأخ ماذا يفعل من نام عن صلاة الوتر هل يصليها في النهار أم ماذا يفعل؟
نعم يصليها في النهار وهي في قول أكثر أهل العلم يصليها شفعاً، إذا كان معتاد يصلي ثلاث في آخر الليل أو في أولـه، يصليها أربعا من الضحى، وإذا كان معتاد على سبع يصليها ثمانٍ، وهكذا.
2- هل الرقية بالكتاب والأذكار ملحق بالتداوي الذي هو من العاديات أم أنه ملحق بالعبادات؟
الرقية ما زلت أبحث فيها وما زلت متردداً فيها لأن الناس قد أحدثوا في الرقى أنواع منوعة من التخصيصات، هذه رقية للمرض الفلاني، وهذه رقية للسحر، وهذه للعين، وهذه للجن وهذه لكذا، وهذه يكرر فيها بهذه الطريقة، وهذه يفعل بهذه الطريقة، وهذه مع زيت وبدون زيت، وأشياء منوعة كثيرة أنا أكرهها، لكنني أرى لا تنسب إلى قواعد الشريعة، لأن هناك أشياء تتجاذبها مثل قول النبي r حين قال: "اعرضوا علي رقاكم"، "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك"، وكان فيه رقية جاهلية- أي في وقت الجاهلية-، كرقية النملة وغيرها، وقال: "علميها الكتاب كما علمتيها رقية النملة"، وغيرها من الرقى التي كانت موجودة وما كانت على أشياء محددة، ولكن الذي أميل إليه- كرأي شخصي ولا أنسبه إلى قواعد الشريعة- بأن الأولى تركها لأنها ما كانت في عهد النبي r، وأقل الأحوال عندي أنها تنطبق عليها قاعدة الاشتباه، التي ستأتي إن شاء اللـه عز وجل في أحكام البدع والمبتدع.
3- يقول في بعض البلاد الإسلامية يكون السلام باليد بعد الصلاة مباشرة فهل إذا سلم علي الذي بجانبي هل أسلم عليه أم لا أسلم عليه؟
نقول: سلم عليه وتلطف مع الناس ولا تتشدد في هذا، يعني ذكر لي بعض الإخوان رواية طريفة من بعض المتبعين للسنة الحريصين عليها، كان شخص انتهى من الصلاة وسلم على يمينه كان شخص جزاه اللـه خيراً متبع للسنة على اليسار كان مستعد لـه يعني بعلقة حامية، لـهذا الرجل إذ رأى أنه مبتدع، فسلم على اليمين جزاه اللـه خير ومجرد أن سلم على اليسار قال: بدعة، يعني أبعد يدك، فكان هذا الشخص جزاه اللـه خير ذو خلق جيد و فيه برود، فالتفت على جانبه وقال: هو قلة الذوق من السنة إذا كانت هذه بدعة؟ وهذا صحيح، إذا كانت هذه بدعة، قلة الذوق من السنة؟ سلم عليه يا أخي وصافحه، وأعطه الحق الشرعي وبين لـه إن كان يعرف البيان، وكذلك أيضاً في البلدان والأماكن التي لا يستطيع الإنسان أن يبين، سلم ولا حرج، أنا لا أستطيع أن أقول شيء، قد يكون مسجد من المساجد معين، في مكان محدد ما فيه إلا بدع، إلا أجيء وأحارب الناس على قضية سلام سلم، بلِّغ من العلم كما قال العلماء ما تستطيع أن تبلغه، وما تعجز عنه ولا تستطيع أن تبلغه أذهان الناس، فاتركه يأتي وقته إن شاء اللـه، وهذا من الأدب الذي يتعلمه الداعية إلى اللـه عز وجل.
4- هل التزام رفع اليدين في الدعاء بعد الفريضة والنافلة بدعة؟
نعم، وهذا نص عليه كثير من أهل العلم، ما ترفع يديك كل مرة، ادع دعاء مطلق، كان النبي r يصلي ويدعو بعد الصلاة بعد السلام وقبل السلام، ثبت عنه الدعاء r قبل السلام وبعد السلام، ولكن ما ثبت عنه أنه رفع يديه، ولو كان خيراً لدلنا عليه r ولكن لو فعلـه إنسان لمرة في رقة أو يحتاج إلى إلحاح أو عنده مشكلة، أو قضية ضغطت عليه كثيراً ورقَّ قلبه وأراد أن يرفع يديه مرة واحدة أو عشر مرات أو عشرين مرة في السنة، لا حرج، ليس فيه مداومة، زال سبب المداومة، لكن الحرج إن بعض الناس مجرد أن يسلم من النافلة أو الفريضة يقوم يمسح اليدين يحمي قليلاً ثم يسلم ثم أيضاً يمسح بها وجهه، ما عليها دليل أيضاً، عليك أن تفعل شيئاً ورد فيه المداومة عن النبي r فيه الخير كلـه، ومن زعم أنه يسبق النبي r يسبق الصحابة، ويأتي بأشياء ما فعلـها النبي r ولا الصحابة ولا التابعين فقد أخطأ، واللـه هو على خطرٍ عظيم.
5- يقول: ذكر الشيخ الألباني- رحمه اللـه- عن فعل من يضع يده اليسرى مقبوضة الإبهام بالخنصر على الرسق والساعد أنه بدعة محدثة؟
لا، ليس هذا قول الألباني، الألباني- رحمه اللـه- يقول بأن وضع اليد- يعني القبض عموماً- القبض بعد الاعتدال من الركوع، هو الذي يراه بدعة، أما وضعها على الرسق والساعد فهي سنة، وذكر هذا في "صفة الصلاة".
6- هل يجوز قول آمين عند الدعاء في خطبة الجمعة؟
نعم إذا دعا الإمام فقل آمين.
7- كيف نجمع بين ما سمعنا وقول العلماء: العادة محكّمة.؟
العادة محكّمة في المعاش، في الخصومات، إذا تخاصم بعت عليك البيت والبيت فيه مكيفات، يوم جاء الاستلام وجد المكيفات مأخوذة، نقول العادة محكّمة بينك وبينه، هل المكيفات في هذا البلد تباع مع البيت أو أنها تبقى، هذا معنى العادة محكمة، أما العادة لا تكون محكمة في العبادات.
8- إذا ختمت القرآن في غير الصلاة وأخرت الختمة إلى ليلة سبعة وعشرين تحرياً لليلة القدر، هل ذلك مشروع؟
لا، ليس مشروعا، بل المشروع الموافق للمعقول، أنك تجعل ختمة القرآن في غير ليلة القدر، أو في غير ليلة سبعة وعشرين، أو الليلة التي أحرى أن تكون ليلة القدر، لأنك تحصل هنا وقت إجابة وهناك وقت إجابة آخر، لماذا تجمعها معاً.
9- يقول رأيت شخصاً نحيفاً أعرفه، فقلت لـه: ماذا بك نحيف؟ فقال: إن النبي r كان نحيفاً، وإن في مذهبنا ورد حديث عن النبي r يقول فيه: "إن بطني موازٍ لظهري" يقول فلذلك أنا نحيف؟
لا أعرف هذا الحديث، يعني الأخ كأنه يقصد هل الأفعال الجبلية تكون فيه اقتداء؟ لا، أنت قد تأكل كثيراً فلا تملك أن تكون نحيفاً أو لا تكون فهذه القضية ليس فيها تأسي، ولكن إذا كانت النحافة فيها خير للإنسان في صحته ثم سعى إليها بهذه النية وهذه القربة، فهو يؤجر إن شاء اللـه عز وجل.
واللـه أعلم وصلى اللـه وسلم على نبينا محمد.
الحمد للـه القاهر فوق عباده، جعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً، ذلك تقدير العزيز العليم، أحمده سبحانه وأشكره حق شكره على ما أولى به من النعم، وأجزل به من العطايا، وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى اللـه عليه وعلى آلـه وأصحابه أجمعين، أما بعد:
قاعدة عدم النقل:
صغت هكذا: ما تتوفر الـهمم والدواعي على نقلـه من أمر العبادات، ثم لا يُنقل- سواء كان ذلك زيادة أو تخصيصاً- فإن هذا يدل على أنه لم يكن فيصير فعلـه إحداثاً في الدين.
هذه القاعدة كثيراً ما يذكره العلماء المحققون كابن تيمية -رحمة اللـه تعالى عليه-، ذكرها في "اقتضاء الصراط المستقيم" و في فتاواه في أماكن منثورة من الفتاوى، قبل أن ندخل لـهذا الشرح بالمثال يتضح المقال: لو كان هناك قرية صغيرة ليس فيها إلا ألفا نسمة، فيها ألفا شخص فقط، ثم هذه القرية وقع فيها حدث، مثل حريق بيت أحد مشاهير القرية أو وقع فيها انفجار في وسط السوق، المهم وقع حدث معين داخل هذه القرية، ثم أنت أتيت جاء من أخبرك بأن هناك حدث وقع في القرية، هذا خبر طبعاً هل وقع أم لم يقع، هذه مسألة سوف تطرق الآن، فدخلت في هذه القرية فلم تر الناس يتحدثون بشيء من ذلك، ودخولك على حد الخبر الذي لم تتأكد منه يعني دخولك كان بعد الحدث بساعة أو ساعتين، وهو حدث كبير على مستوى هذا البلد، هل تتصور أن هذا الأمر قد وقع تشك في رواية هذا الخبر؟ نعم لأنك تقول بأن همم الناس تتوفر وتوجد لنقل مثل هذا الخبر، توفر الـهمم يعني الدواعي، ما يدعو إلى نقل الخبر، نعم هناك ما يدعو إلى نقل الخبر، لعدة أوجه وأسباب عند الناس، فإذا لم ينقل لك رغم قرب الخبر ورغم ضخامة الخبر داخل هذا البلد، فأنت تقول هذا ما وقع أصلاً، ولو وقع لنقل، هذا مثال يعني نقرب به الواقع.
وكذلك أيضاً لو جاءنا إنسان وقال: إنكم قلتم بأن السلام بعد الصلاة مباشرة للشخص الذي سلمت عليه قبل الصلاة غير مشروع، نقول لـه بأنه غير مشروع، يقول لنا هو: وما أدراكم، قلنا: بأن النبي r لم يفعلـه، ولم يفعلـه الصحابة- رضي اللـه تعالى عنهم- وهم أحرص الناس على الخير، فيقول لنا هو: وما أدراكم أن الصحابة لم يكن يسلمون على بعضهم البعض بعد الصلاة مباشرة سواءً التقوا قبل الصلاة أو لم يلتقوا؟ فنقول لـه: بأن الـهمم والدواعي تتوفر لنقل ذلك، هذا حدث يقع بهذا الشكل مع حرص الصحابة على نقل دقائق أحوال النبي r ، حتى إن أحدهم وهو البراء بن عازب t يقول: قال: فسمعته يقول حين انصرف من صلاته: "اللـهم قني عذابك يوم تبعث عبادك"، أخرجه مسلم، ونقلوا دقائق صلاته r حين كانوا يعرفون قراءته باضطراب لحيته بأبي هو وأمي r، إذاً الـهمم، همم الناس حرصهم يوجد لنقل مثل هذه الأشياء، فإذا ما نقلت أنا أعلم أنها ما صارت، وإلا لقال الصحابي: كان الناس إذا صلوا مباشرة سلموا على بعضهم البعض، لا بد أن تنقل ولو في خبر واحد، فلما لم تنقل وهو متعلق بأمر العبادة حيث أنك تضيف عبادة إلى عبادة، لما لم تنقل وهي في أمور العبادات فإن فعلـها يكون إحداثاً في الدين، وهذه قد تكون في حد البدعة وقد تكون أيضاً في الاستدلال والأمر في ذلك يسير هي قضية اصطلاحية، انظر ماذا كان الصحابة- رضي اللـه عنهم- يقولون عن قضية السترة، يقول: كانوا يبتدرون السواري، إذا أن يستترون في الصلاة وهذا النقل هل عن النبي r؟ لا، أيضاً عن الصحابة، فكل هذه الأفعال التي توجد الصحابة من أشد الناس حرصاً على نقل هديه بل ونقل هدي صحابته- رضي اللـه تعالى عنهم أجمعين-، فإذا وقع الشيء بمحضر من الصحابة- رضي اللـه عنهم- الذين نعلم حرصهم على نقل الدين وعلى تحمل السنة وتبليغها، علمنا بذلك أن هذا المدعى وقوعه بأنه لم يقع، فإذا كان الصحابة- رضي اللـه تعالى عنهم- قد تركوه، فنحن أولى بتركه، وإن من أعظم سوء الظن بأصحاب النبي صلى عليه وآلـه وصحبه وسلم، أنهم يهملون مثل ذلك ولا ينقلونه، وهم الذي ائتمنهم اللـه عز وجل على حفظ الدين، وعلى نقل شرائع الملة وحدودها ورسومها.
قال الإمام ابن تيمية- رحمه اللـه-: (كما يستدل لعدم النقل لما تتوفر الـهمم والدواعي لنقلـه، وما توجب الشريعة نقلـه، وما يُعلم من دين أهلـها أنهم ينقلونه، على أنه لم يكن).
لذلك لما أهمل بعض الناس هذه القاعدة ممن وقعوا في بعض المبتدعات اليسيرة في مجال الأعمال، حين أهملوا هذه القاعدة قالوا: وما أدراك أنه لم ينقل، الصحابة رأوه لكنهم ما نقلوه، واللـه إن هذه لأعظم تهمة يُتهم بها أصحاب النبي r حين يرون الشيء يقع عند النبي r منه بأبي هو وأمي r، أو يقع من الصحابة أنفسهم أمام النبي r ثم لا ينقلونه، حتى أنهم كانوا يقولون: كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن".
هناك قد ترد شبهة في قاعدة يرددها علماء الأصول في الفقهيات، وهي عدم النقل ليس نقلاً للعدم. ظاهر هذه القاعدة يعارض ما قرر في قاعدة هذه الدورة، نحن نقول: مما تتوفر الـهمم ويوجد لنقلـه ثم لا ينقل هذا يدل على أنه ما كان، هذه القاعدة تعارضها في شيء، عدم النقل ليس نقلاً للعدم، تقول القاعدة يعني معناها: أن الشيء إذا ما نقل فهو لا يعني أن الشيء غير موجود فقد يكون موجوداً، فهل نستطيع أن نجيب عن هذه القاعدة لمن اقتنع بالقاعدة الأساسية؟
هذه القاعدة هي قاعدة عامة،إن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، ونحن نقر بها، إذا كان الشيء لم ينقل ليس هذا دليلاً على أنه لم يكن، ولكن اعتبر هذه القاعدة عامة وقاعدة هذه الدورة خاصة، ولا تعارض، بمعنى أن هذه القاعدة قاعدة الدورة هي ما تتوفر الـهمم والدواعي لنقلـها، يقع حدث كبير أو شيء مؤثر، أو شيء لـه علاقة بالدين لا بد أن يُبلغ ثم لا يُبلغ، فتكون هذه القاعدة خاصة فيما تتوفر الـهمم والدواعي على نقلـه ثم لا يُنقل، وتبقى القاعدة الثانية قاعدة عامة في كل شيء سواءً كانت الـهمم و الدواعي توفرت لنقلـها أو لم تتوفر، وهكذا، فالمعنى إذا شرع اللـه عز وجل شرعاً في كتابه أو سنة رسولـه r ثم لما أن كان بيان هذا الشرع من حيث دلالة الآية والحديث وكانت دلالته واضحة لم يحرص الصحابة- رضي اللـه عنهم- على نقل التفاصيل الدقيقة لـهذا الفعل، أو التكرار اليومي لـهذا الفعل، نقول عدم النقل ليس نقلاً للعدم، لو كان النبي r مثلاً سن صلاة الضحى- على سبيل المثال- حتى نجد تطبيقاً لقاعدة أن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، يقول النبي r: "على كل سُلامة- يعني كل مفصل- من ابن آدم صدقة ويجزئ من ذلك سبحة الضحى"، هذا حديث قولي، ربما- على سبيل المثال- ليس عندي حديث واحد، يعني عملي يدل على أن النبي r قد صلى الضحى، فماذا أقول؟ بأي القاعدتين أستدل، يجيء واحد ويقول صلاة الضحى غير مشروعة، نقول: لماذا يا أخي؟ قال: يا أخي لأن الرسول r ما فعلـها، فماذا نقول لـه؟ نقول: بأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، وأنه ثبت بدليل قولي، وقال: لم يرد أن واحدا من الصحابة نقل أنه رأى النبي r يصلي صلاة الضحى، نقول: وإن كان فالشريعة قول من كلام اللـه عز وجل، أو قول من النبي r أو تقرير منه r أو فعل، فأنت لا تلزمنا بما أن الحكم العام القولي قد ورد فتكون صلاة الضحى إذاً مشروعة على الدوام، فإذا احتج علينا، قلنا بأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، وقد ثبتت أصلاً بدليل قولي، لكن لو أتينا إلى موضوع المصافحة والسلام بعد الصلاة مباشرة، هو يستدل بدليل عام أصلاً ليس بدليل خاص للسلام بعد الصلاة، فنقول: لا بد أن يُنقل لو كانوا يفعلونه لنقل، لكن أنا أعكس القضية لو أنه قد ورد حديث- على طريقة الأصوليين لافتراض الأحاديث- لو أنه قد ورد حديث أنه من سلم على صاحبه بعد الصلاة مباشرة بني لـه بيت في الجنة، ثم قلت لكم أنه لم ير عن النبي r أو عن الصحابة أنهم كانوا يسلمون على بعضهم البعض بعد الصلاة مباشرة، نقول عدم النقل ليس نقلاً للعدم لأنه عندنا حديث قولي أصلاً، عندنا حديث قولي يدل على السلام بعد الصلاة لو كان الحديث موجوداً وهو ليس موجوداً في الأصل، فإذاً هذه القاعدة لا تعارض هذه القاعدة، فعدم النقل ليس نقلاً للعدم، نقول فيما ثبت في الشريعة فعلـه على الخصوص، كصلاة الضحى، لا يلزم أن يأتي هدي فعلي عملي من النبي r نعتمد عليه في مشروعية صلاة الضحى، يعني التطبيقات، تطبيقات ما يتوفر الـهمم والدواعي ثم لا يُنقل، وليس من الدين وليس بمشروع، التلفظ بالنية في العبادات، كأن يأتي الإنسان ويقول: اللـهم إني أريد صلاة كذا وكذا، صلاة المغرب ثلاث ركعات، وأحياناً أيضاً يقول خلف فلان، حتى لا يقع إشكال يميز الأئمة بعضهم عن بعض، وكل هذا غير مشروع، لأنه لو كان يفعلـه النبي r لنقل فهي مما تتوفر الـهمم والدواعي على نقلـه، فما نقلوه يدل على أنه غير موجود، وما أخطأ في هذا إلا بعض المتأخرين من الشافعية- رحمة اللـه تعالى عليهم أجمعين-، بل إنهم لم يكن هذا من قول الإمام الشافعي- رحمة اللـه تعالى عليه- وإنما فُهم من قولـه فهم، الشافعي- رحمه اللـه- تكلم على موضوع النية في الحج، فقال: بأنه يجزئ في الحج النية دون اللفظ، هذا كلام الشافعي وعليه بنى بعض المتأخرين ليس أيضاً من تلامذته، قال: يجزئ في الحج، التي عقدتها حين خرجت من بيتك ومررت على الميقات، تجزئك النية، وبعضهم أيضاً يشترط مع النية عملا وهو قول ابن تيمية- رحمه اللـه- بعض الناس يلبس الإحرام وهو ناوي نيته لبس الإحرام وخرج من بيته، ثم إنه نسي وما درى إلا وهو في مكة، نقول: إحرامك صحيح ولا يلزمك الرجوع إلى هناك حتى ولا يلزمك أن تلبي، وإن لبيت فهو سنة، تقول لبيك بعمرة وأعلنت النسك، هذا قول ابن تيمية وهو الراجح، يقول: أن تكون هذا بقول ونية وعمل، ولكن لا بد من النية طبعاً النية أولاً وهي الأساس، الشاهد- الشافعي- رحمه اللـه- يقول: لا يشترط اللفظ في الحج، أما الصلاة فلا بد فيها من لفظ". انتهي كلامه- رحمه اللـه-، هل هذا فيه دليل على التلفظ بالنية؟ المقصود هو تكبيرة الإحرام، كأن الشافعي يقول: لا يجزئ إن كان الإنسان ساهيا وغافلا ودخل المسجد مع هواجيس، ثم ما درى إلا وهو رافع يده بالتكبيرة فقط، دون أن يتلفظ، يقول الشافعي- رحمه اللـه-: في هذه الحالة لا بد من اللفظ، وصلاته باطلة وغير صحيحة، يقول: بخلاف الحج فيكفي النية مع العمل، العمل هو لبس الإحرام، أو أن يتلفظ، هذا واحد.
الثاني: اشتهر عند بعض طلبة العلم أنه لا يجوز التلفظ بالنية إلا في موضعين: الأضحية والحج، وهذا خطأ- في نظري- لا يجوز التلفظ بالنية في أي عبادة من العبادات، أما الحج فلم يرد في حديث واحد أن النبي r أو أحد من الصحابة قال: أريد، أنوي، أتوجه، أقصد الذي هو ظاهر النية وإشهاره، أما قول: لبيك حجاً ولبيك عمرة، ولبيك عمرة وحجاً، هذا دخول في النسك مثل تكبيرة الإحرام، اللـه أكبر، هذا دخول في النسك ليس تلفظاً بالنية، وأما كونه يعلم به أنه عمرة أو حج، فهذا ليس لـه أثر، لأن النبي r ما تلفظ بالقصد، ولا قال: أريد ولا أقصد، ولا أنوي، كما يشتهر في بعض متون الكتب الفقهية، أنه يقول: اللـهم إني أريد نسك كذا وكذا، فيسره لي، هذا ما ورد، لا في حديث صحيح ولا في ضعيف، وأما الأضحية فلم يرد فيها شيء أيضاً، لم يرد فيه حديث صحيح يدل على التلفظ بالنية ومراد الإنسان فيها، الإنسان يأتي إذا كانت هذه الأضحية كانت وصية لشخص معين يكفي النية، يكفي أن ينوي ثم يذبح، بعض الناس يأتي اللـهم عن فلان، وعن فلان، وجدتي فلانة، وعمتي فلانة، وخالتي فلانة وفلان, وفلان، فاللـه سبحانه وتعالى يعلم بذلك، هذا مثل الجزار الذي أراد أن يأخذ أجر صاحب الأضحية، فحين أراد أن يذبح قال: لي ولذريتي ولأولادي ولوالدي، فكان صاحب الأضحية ينظر إليه، وقال: اللـه أعلم نقاد الدراهم، وهذا صحيح، هو دفع القيمة وأحضر الأضحية، وهو الذي أراده للـه عز وجل، وكونه ذبحها ليس معناه أنها صارت للجزار.
ومن التطبيقات: دعاء الإمام بعد الصلاة، بصوتٍ عالٍ والناس يؤمنون على سبيل الالتزام، لكن لو أن الإمام مرة من المرات أو ثلاث أو عشر في السنة، أو وافقت مناسبة معينة أو أزمة معينة، أو دعاء للمجاهدين أو دعاء للمنكوبين أو حادثة معينة، أو إنسان كتب عن مقال عن المرأة أو ما يسمى بتحريرها، ثم ناسب أن يدعو للمسلمين أو يدعو للمنكوبين أو يدعو على الفسّاق والعلمانيين ودعاة الإباحة مثلاً ثم دعا والناس يؤمنون لا حرج، لكن الحرج كما قال الإمام الشاطبي المالكي- رحمه اللـه-: الحرج هو أن يكون ذلك على الالتزام، فإذا سلم الإمام قام ورفع يديه اللـهم كذا وكذا، والناس يضجون بالتأمين في كل يوم، وفي كل صلاة، من غير عارض معين يدعو إلى هذا الدعاء، وهو أيضاً القاعدة يتعلق بقاعدة، التخصيص والتقييد وكذلك القاعدة الفرعية لـها وهي قاعدة المضاهاة.
قاعدة الوسائل:
الأصل في وسائل العبادات أنها ليست تعبدية بل هي من الأمور الاجتهادية التي يشرع ويجوز فيها التجديد، ولـها على التفصيل أحكام مقاصدها، فإذا قلنا الأصل في وسائل العبادات- هو الأصل- لكن قد يكون في بعض وسائل العبادات هي تعبدية، مثل الأذان شرعه اللـه عز وجل حين كان الصحابة يبحثون عن وسيلة لجمع الناس فجاءت رؤيا عبد اللـه بن زيد t وتواطأت مع رؤية عمر بن الخطاب t، فكان هذا الأذان، مع أنها وسيلة فهي وسيلة تعبدية نقف عند حدود الوارد لا نتعداه، لا في الوقت ولا في اللفظ ولا في الجمل...إلخ.
فإذا قلنا الأصل في وسائل العبادات، تبقى الأصل لكن هناك وسائل قد دلت عليها الشريعة على أنها تعبدية، وحدها بحدود لا تتعدى، فوسائل العبادات، وسائل النقل إليها كوسائل النقل القديمة كالخيل والجمال، والحديثة كالسيارات والطائرات، ومنها وسائل في موضعها تعين على إتمامها، كأبنية المساجد، السرج، المصابيح الضوئية، ومنها وسائل إدارية لترتيب العبادة، كإدارات شؤون المساجد والأئمة، والمؤذنين ومكاتب الدعوة...إلخ.
ومنها وسائل معنوية لتحقيق العبادة كأنواع الحسبة، والحسبة هي كل عمل يقوم به المسلم لحمل الناس على مقتضيات الشريعة في دينهم أو دنياهم على سبيل الوجوب أو الاستحباب.
أنواع الحسبة هي: التعليم الشرعي، الإفتاء، القضاء، التربية، الدعوة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه كلـها نعتبرها على وزن واحد، هذه هي الشريعة، الشريعة طبعاً توحيد اللـه عز وجل وما ينقسم هذا التوحيد كالربوبية والإلـهية والأسماء والصفات...إلخ.
هذا الذي ندعو الناس إليه، وكذلك بقية العبادات و الصلوات والأحكام الشرعية التي حدها اللـه عز وجل وسنها نريد أن نبلغها للناس ونقيمها عليهم، بأي وسيلة نقيمها؟ أليس بالتعليم، أليس بالإفتاء، أليس بالقضاء والتربية والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذاً هذه الأشياء الستة أو السبعة، هي وسيلتنا لإقامة العبادات المحضة التي شرعها اللـه عز وجل لا نتجاوز حدودها، ثم هناك وسائل للتعليم، ووسائل للدعوة ووسائل للتربية، ووسائل للقضاء، ووسائل للإفتاء، حكمها أنها وسائل يشرع التجديد فيها والتغيير والتنويع، بحسب المقصد والحاجة وبحسب اختلاف الزمان واختلاف المكان، وتنوع الأحوال قلة وكثرة، فإذا كانت المساجد قليلة فنحن لا نحتاج إلى إدارة لشؤون المساجد، ولكن إذا كثرت احتجنا إلى ذلك، وسيلة ليست مثل العبادة، الصلاة لازم تصلي يومياً ويشرع لك أن تصلي يومياً، لكن أنا ما عندي مساجد أقوم بإنشاء إدارة لأن الوسائل عبادة؟ أو كما يقول البعض: بأن وسائل العبادات تعبدية، لأن العبادات تعبديات، اختلاف العبادات لو كانت واجبة تصلي كل يوم، ولو كانت مستحبة تقوم وتصلي، اللـه أكبر، ثم تقوم وتصلي، اللـه أكبر، ومثلـها التكبير والتسبيح والتهليل وبقية أنواع العبادات المحضة، أما الوسائل فإن احتجت إليها فعلت، وإن لم تحتج لم تفعل، بل يكون أحياناً إسرافا وتبذيرا وإثما، أن يتعب الإنسان على الوسيلة وهو لا يحتاج إليها أصلاً.
وهذه الوسائل نعتبرها وسائل: التعليم الشرعي، الإفتاء، القضاء، التربية، الدعوة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلـها يراد منها تحقيق توحيد اللـه عز وجل وإقامة شرعه وإعلاء دينه، كل هذه الأشياء لعلك تلاحظ أنها قد دخلـها التطوير، ودخلـها التجديد، ودخلـها التغيير، بوضع أطبقت عليه الأمة، لا أعرف في واقعي العملي، لا أعرف فيه مخالفاً، وإن كان نظرياً بعض أهل العلم يقول بأن وسائل هذه الأشياء بأنها تعبدية، كوسائل التعليم الشرعي، الإفتاء، القضاء، التربية، الدعوة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيره، انظر إلى تنوع الأمة في هذه الوسائل، انظر أنظمة التعليم وترتيب المراحل واستخدام المناهج التربوية المعاصرة، ووسائل العرض الحديثة كالحاسب الآلي والشريط المسموع والمرئي، وانظر أنظمة الإفتاء، تدخل في صلب عمل الفتوى، أنظمة الإفتاء في مثل بلادنا الآن في ترتيب اللجان العلمية وهيئات كبار العلماء والمجامع الفقهية، وترتيب طريقة صدور الفتوى بالتصويت، كل هذا ما ورد، وكلـه مما تتوفر الـهمم والدواعي إلى نقلـه، وكلـه وجد، ما المانع أن نقول وجد على عهد النبي r وانتفى المانع منه، كانوا يحتاجون لتنظيم الفتوى، كانوا يحتاجون إلى تنظيم التعليم سواء كانت في وقت النبي r أو في عهد الصحابة- رضي اللـه تعالى عنهم وأرضاهم-، وترتيب طريقة صدور الفتوى بالتصويت، واعتبار الأكثرية، في الثلثين واعتبار صوت الرئيس عن صوتين، وتخزين الفتاوى والعلوم الشرعية لتسهيل استرجاعها، فهي متداخلة إلى النخاع- كما يقولون-، قضية التجديد دخلت في صلب قضية صدور الفتوى وهي من هذا الدين، ومثل التعليم والإفتاء بقية أنواع الحسبة من القضاء الشرعي، القضاء الآن قضاء شرعي تحكم بالأحكام الشرعية، في الأحكام وفي المعاملات وفي الجنايات، وفي أحوال الأسرة، أو ما يسمى بالأحوال الشخصية، فالقضاء أيضاً درجات، المحكمة الكبرى، أو ما يسمى في بعض البلدان بالمحكمة الابتدائية، وهذه المحكمة يجتمع فيها ثلاثة قضاة لإصدار الحكم، بالأغلبية أو بالإجماع، كل هذا ما ورد في أقضية الرسول r ولا أقضية الصحابة- رضي اللـه تعالى عنهم وأرضاهم-، ثم لم يكتف التجديد فيها أيضاً حتى وصل الأمر إلى محكمة التمييز أو الاستئناف تراجع الأحكام الشرعية، ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد حتى وصل الأمر إلى وضع مجلس قضاء أعلى أو ما يسمى في بلدان أخرى المحكمة العليا أو المحكمة الدستورية، أيضاً تراجع الأحكام التي تصدرها هيئة التمييز، ومثل ذلك الدعوة إلى اللـه عز وجل أيضاً، انظر إلى التنوع في مكاتب الدعوة إلى اللـه عز وجل، في ترتيبها وطريقة إدارتها، وترتيب أمور الدعاة إلى اللـه عز وجل، في رواتبهم وفي أحوالـهم، وفي مواضع عملـهم، وفي الجداول الموزعة عليهم كل هذا ترتيب في الدعوة إلى اللـه عز وجل وهو من صميم الوسائل، ومثل ذلك أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه هيئة كذا، وهذا الرئيس العام، وهذا الذي أقل منه، وهذا لـه صلاحيات، وهذا صلاحيات أقل منه، وهذا في الأمور الإدارية، وهذا في الأمور المالية، وهذا في الأمور الفنية، كل هذا في الحسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إذا أتيت على مراكز الـهيئات وجدت أيضاً أن هذا رئيس وهذا مسؤول عن السوق، وهذا مسؤول عن المعارض الدولية، وهذا مسؤول عن الموضوع الفلاني...إلخ.
وزعت أمور الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل دقيق.
فأنت تجد أن الأمة قد أطبقت بلا منازع على ما أعرفه في المجال العملي، وإن كان بعضهم يتناقض قولـه النظري عند التطبيق العملي، في المجال العملي أطبقت على مشروعية التجديد والتغيير في وسائل العبادة سواء كان صلاةً أو حجاً، والحج أيضاً لو تأملت فيه لجنة للتطوير، ولجنة الحج العليا، وترتيب وتنظيم دور الإفتاء، يعني التوجيه، وهكذا.
فعمل الأمة يا إخوان ليس بحجة، لأنه ليس إجماعاً، والإجماع على الصحيح كما قال بعض المحققين لا يقع إلا في عهد الصحابة، لتوافرهم وذلك بعد وقت النبي r مباشرة حين كانوا بالمدينة وقبل كان انتشارهم في الأمصار.
عمل الأمة ليس حجة فإذا أردت أن تقول بأن وسائل هذه الأشياء ليست عبادة، ويجوز فيها التغيير والتجديد والتطوير، لا بد أن تستدل لا بد أن تبني كلامك على قواعد شرعية، ولا تنظر إلى الناس، والنظر إلى الناس يفعلونه في الحرم يفعلونه في المكان الفلاني يفعلـه الشيخ الفلاني والإنسان الفلاني، جرى عليه العمل كل هذه لا تغني من اللـه شيئاً، وإذا لقيت اللـه عز وجل أعرى ما كنت وأخزى ما كنت وأذل ما كنت بين يدي اللـه عز وجل فسألك لم فعلت ذلك؟ تقول رأيت الناس يقولونه، رأيت الناس يفعلون، لا، ولكن نحن نذكر هذا على سبيل الاستدلال فقط ليس على سبيل الإلزام.
الأوجه التي تدل على أن هذه الوسائل، ووسائل العبادات ليست توقيفية وإنما يشرع لـها التجديد ولـها على التفصيل أحكام مقاصدها، أوجه عدة:
الوجه الأول: أن الأصل في أفعال المسلم هو عدم التعبد المحض، ووسائل الحسبة ووسائل العبادة ووسائل التربية والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشمولة بهذا الأصل العظيم، ولو تأملت الأصل الأول، أن اللـه عز وجل قد غرس في الفطر أن تنفيذ أوامر المطاعين والأسياد في الجاهلية وحين جاء الإسلام كان يتم بأي طريقة، إذا أمره سيده أو أمره أبوه أو أمره أحد المقصود أنك تنفذ هذا الأمر كما أمر من غير زيادة أو نقصان، هذا كان معروفا في الجاهلية وجاء الإسلام ولم يغير في هذه الأشياء الفطرية المغروسة في قلوب الناس، وما قال: أنتم تطيعون أسيادكم وتنفذون أوامرهم بطرق متعددة، أما في الشريعة فلا تنفذوها ولا تتوسلوا إلى أمور شرعية تعبدية إلا بشيء محدود، لو كان شيئاً يؤمر به وشيئاً يُحد لحده النبي r ونبه عليه بأبي هو وأمي r.
الوجه الثاني: أن الشريعة لم تنبئ بتوقيفها رغم عموم البلوى بها وتوفر الـهمم والدواعي لنقلـها لو كانت حدود هذه الوسائل منقولة، فالحسبة مثلاً والتعليم وسائر أنواع المتوسل بها إلى العبادات، يحتاجها جميع الناس الذكر والأنثى والعالم وطالب العلم والعامي والنبيه والمغفل، وقد كان يصدر عن النبي r كل يومٍ من يحمل عنه العلم وأمور الدعوة، فيبلغونه إلى النواحي والقرى والأرياف، وقد دلت الشريعة بالاستقراء أن ما تعم به البلوى ويكثر يُبين بياناً واضحاً شافياً فمع حاجة الجميع إلى ذلك وأن معهود الشريعة تبيين ما هو أقل منه حاجة فيبعد جداً أن لا يقع بيانٌ من النبي r أن وسائل العبادة توقيفية.
بعض الناس يقول: لا الدعوة ما يحتاج إليها أحد، نقول: على المفهوم السائد الآن، أما الدعوة بمفهوم الصدر الأول فلا، الدعوة يقول النبي r: "بلغوا عني ولو آية"، وجاءه الطفيل بن عمرو الدوسي من مكان وثنية، كانت تعبد عندهم الأصنام في دوس، فحين أسلم قال لـه النبي r: "بلغ قومك", ما أعطاه أمور مكثفة في وسائل الدعوة ووسائل التبليغ، وغيره من الدعاة الذين بعثهم النبي r كمصعب بن عمير، وخالد بن الوليد، وغيرهم من الصحابة الذين بعثهم النبي r إلى النواحي.
الوجه الثالث: - وهو ما أشرت إليه الآن-، ظاهر هدي النبي r وهدي أصحابه- رضي اللـه تعالى عنهم-، فما جرى عليه عمل النبي r مع أصحابه الذين كان يكلفهم حمل هذا الدين، ونقل أمور الدعوة إلى اللـه عز وجل، حيث لم يرد عنه أنه حد لـهم وسائل العبادة ووسائل الدعوة ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قيدها رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص من دعاة ومدعوين، فمن ذلك بعث معاذ إلى اليمن، والطفيل إلى قومه، ومالك بن الحويرث وأصحابه إلى قومهم، ومصعب بن عمير إلى المدينة، وخالد بن الوليد إلى نجران، وغيرهم كثير، فلم يلقنهم الوسائل كما يعلمهم المقاصد والعبادات، وما لأجلـه r بعث إلى الناس وأُرسل إلى الخليقة، بل قد جاء في حديث مالك بن الحويرث