هذه الخاتمة تشتمل على قواعد عظيمة مفيدة:
القاعدة الأولى: أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات
يعني أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات، كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى:11). وإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات؛ لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء، واللغوب، والعجز، والظلم، ومماثلة المخلوقين.
وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه فهو صفات كمال كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى) (النحل: 60) سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلاً وأبداً، أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتاً له أزلاً، وأبداً، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً.
فصل
فمن صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه: الحياة.. والعلم.. والقدرة.. والسمع.. والبصر.. والإرادة.. والكلام.. والعزة.. والحكمة.. والمغفرة.. والرحمة.
فحياته تعالى حياة كاملة مستلزمة لكل صفات الكمال، لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء، كما قال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (الفرقان: 58). وقال: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) (الحديد: 3). وقال: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: 255).
وعلمه تعالى كامل شامل لكل: صغير وكبير، وقريب وبعيد، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، كما قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ما بال القرون الأولى: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طـه:52). وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (لأنفال: 75).
وقدرته تعالى كاملة، لم تسبق بعجز ولا يلحقها تعب، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: 44). وقال: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: 12). وقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (ق: 38).
وحكمته تعالى حكمة بالغة، منزهة عن العبث، شاملة لخلقه وشرعه، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ* مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ) (الدخان: 38-39). وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الملك: 2). وقال: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الممتحنة: 10).
وحكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق، فقد نعجز عن إدراك الحكمة فيما خلقه أو شرعه، وقد ندرك منها ما يفتح الله به علينا.
وعلى هذا تجري سائر الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، فكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
فصل
ومن الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه: الموت.. والجهل.. والنسيان.. والعجز.. والسنة.. والنوم.. واللغوب.. والإعياء.. والظلم.
قال الله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) (الفرقان: 58). وقال عن موسى: (فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طـه:52). وقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: 44). وقال: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة: 255). وقال: (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (ق:38). وقال: (وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنّ) (الأحقاف: 33). وقال: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف: 49).
وكل صفة نفاها الله تعالى عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين:
أحدهما: انتفاء تلك الصفة.
الثاني: ثبوت كمال ضدها.
ألا ترى إلى قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: 44). فإن الله تعالى لما نفى عن نفسه العجز بين أن ذلك لكمال علمه وقدرته.
وعلى هذا فنفي الظلم عن نفسه متضمن لكمال عدله. ونفي اللغوب والعي متضمن لكمال قوته. ونفي السنة والنوم متضمن لكمال حياته وقيوميته. ونفي الموت متضمن لكمال حياته. وعلى هذا تجري سائر الصفات المنفية.
ولا يمكن أن يكون النفي في صفات الله – عز وجل – نفياً محضاً، بل لابد أن يكون لإثبات كمال وذلك للوجوه التالية:
الأول: أن الله تعالى قال: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (النحل: 60). أي الوصف الأكمل، وهذا معدوم في النفي المحض.
الثاني: أن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فكيف يكون مدحاً وكمالاً؟!
الثالث: أن النفي – إن لم يتضمن كمالاً – فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده، لا لكمال الموصوف، كما إذا قيل: "الجدار لا يظلم" فنفي الظلم عن الجدار ليس لكمال الجدار، ولكن لعدم قابلية اتصافه بالظلم أو العدل، وحينئذ لا يكون نفي الظلم عنه مدحاً له ولا كمالاً فيه.
الرابع: أن النفي – إن لم يتضمن كمالاً – فقد يكون لنقص الموصوف أو لعجزه عنه كما لو قيل عن شخص عاجز عن الانتصار لنفسه ممن ظلمه: "إنه لا يجزي السيئة بالسيئة" فإن نفي مجازاته السيئة بمثلها ليس لكمال عفوه ولكن لعجزه عن الانتصار لنفسه، وحينئذ يكون نفي ذلك عنه نقصاً وذماً لا كمالاً ومدحاً.
ألم تر إلى قول الحماسي يهجو قومه:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إلى أن قال:
|
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
|
|
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد
|
|
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
|
|
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
|
|
يريد بذلك ذمهم ووصفهم بالعجز لا مدحهم بكمال العفو بدليل قوله بعد: |
|
شنوا الإغارة ركباناً وفرسانا ج |
|
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا
|
وبهذا علم أن الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المحض لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً بل ولا موجوداً كقولهم في الله عز وجل: "إنه ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا محايث، ولا فوق، ولا تحت، ولا متصل، ولا منفصل". ونحو ذلك.
ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن أدعى ذلك في الخالق جل وعلا: "ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم". ولقد صدق – رحمه الله – فإنه لن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصفوا به الخالق جل وعلا. فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم، ولا مقارن له. ومن قال: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتاً، أصم، أعمى، أبكم.
فصل
القاعدة الثانية
ما أخبر الله تعالى به في كتابه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم
وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أم لم نعرفه
لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) (النساء:136) . وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء: 170).
ولأن خبر الله تعالى صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره كما قال الله تعالى: (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) (البقرة: 140) .
ولأن خبر الله تعالى أصدق الأخبار كما قال تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (النساء: 87).
ولأن كلام الله تعالى أفصح الكلام، وأبلغه، وأبينه كما قال الله تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان: 33). وقال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِي) (الزمر: 23). متشابهاً: يشبه بعضه بعضاً في الكمال والبيان. وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: 193-195).
ولأن الله تعالى يريد بما أنزل إلى عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء: 26). وقال: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النساء: 176).
وهكذا خبر النبي صلى الله عليه وسلم صادر عن علم فإنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه وأسمائه وصفاته وأحكامه.
وخبره أصدق أخبار البشر، وكلامه أفصح كلام البشر، وقصده أفضل مقصود البشر، فهو أنصح الخلق للخلق.
فقد اجتمع في خبر الله تعالى وخبر رسوله كمال العلم، وكمال الصدق وكمال البيان، وكمال القصد والإرادة، وهذه هي مقومات قبول الخبر؛ ولهذا لو صدر الخبر عن جاهل أو كاذب، أو عيي، أو سيئ قصد لم يكن مقبولاً لفقد مقومات القبول أو أحدها.
فإذا كانت مقومات قبول الخبر تامة على أكمل وجه في خبر الله ورسوله وجب الإيمان به وقبوله سواء كان نفياً أم إثباتاً، ولم يبق عذر لمعتذر في رده، أو تحريفه، أو الشك في مدلوله، لاسيما في أسماء الله تعالى وصفاته.
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله، وعامة هذا الباب "باب الأسماء والصفات" منصوص عليه في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.
وأما ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب والسنة ولا عند سلف الأمة فليس على أحد بل وليس لأحد أن يثبت لفظه أو ينفيه لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه. فإن كان حقاً وجب قبوله، وإن كان باطلاً وجب رده.
ولذلك أمثلة منها:
المثال الأول: الجهة: أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟
فيقال له: لفظ "الجهة" ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه، فليس فيهما أنه في جهة، أو له جهة، ولا أنه ليس في جهة، أو ليس له جهة، وفي النصوص ما يغني عنه كالعلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وصعود الأشياء إليه ونزولها منه.
وقد اضطرب المتأخرون في إثباته ونفيه، فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالجهة: أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله عز وجل، فهذا معنى باطل لا يليق بالله سبحانه، فإن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فقد وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، ولا يمكن أن يكون داخل شيء من مخلوقاته.
أم يراد بالجهة ما فوق العالم، فهذا حق ثابت لله عز وجل، فإن الله تعالى فوق خلقه عال عليهم، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجارية كانت له: "أين الله؟" قالت: في السماء. قال: "من أنا؟" قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
المثال الثاني: الحيز أو المتحيز:
فإذا قال قائل: هل نصف الله تعالى بأنه متحيز أو في حيز؟
قلنا: لفظ "التحيز" أو "الحيز" ليس في الكتاب والسنة ثابتة ولا نفيه عن الله تعالى، فليس فيهما أنه في حيز، أو متحيز، ولا أنه ليس كذلك، وفي النصوص ما يغني عنه مثل الكبير المتعال.
وقد اضطرب المتأخرون في إثبات ذلك لله تعالى أو نفيه عنه، فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود السمع به، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالحيز أو المتحيز؟ أيراد به أن الله تعالى تحوزه المخلوقات وتحيط به، فهذا معنى باطل منفي عن الله تعالى لا يليق به، فإن الله أكبر وأعظم وأجل من أن تحيط به المخلوقات وتحوزه كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه؟! وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟". وقال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".
أم يراد بالحيز أو المتحيز: أن الله منحاز عن المخلوقات أي مباين لها منفصل عنها ليس حالاً فيها، ولا هي حالة فيه، فهذا حق ثابت لله عز وجل، كما قال أئمة أهل السنة: هو فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه.
(تنبيه)
جاء في القاعدة "أنه يجب علينا الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرفنا معناه أم لا" لكن ليعلم أنه ليس في كلام الله ورسوله شيء لا يعرف معناه جميع الأمة، بل لابد أن يكون معروفاً لجميع الأمة أو بعضها؛ لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44). وقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89).
ولأنه لو كان فيه ما لا يعلم معناه أحد لكان بعض الشريعة مجهولاً للأمة، ولكن المعرفة والخفاء أمران نسبيان، فقد يكون معروفاً لشخص ما كان خفياً على غيره، إما لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو تقصير في طلبه، أو سوء في قصده.
فصل
القاعدة الثالثة
في إجراء النصوص على ظاهرها
ظاهر النصوص ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرائن.
والواجب في النصوص إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: 192 - 195). وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: 3). وقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء) (الأعراف: 3).
فإذا كان الله تعالى أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا باتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي، إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية.
ولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر؛ لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفاصيله.
فإن قال قائل في نصوص الصفات: لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد.
فجوابه أن يقال: ماذا تريد بالظاهر؟ أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل، فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعاً، وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعاً؛ لأنه حق ولا يمكن أن يخاطب الله عباده بما يريد منهم خلاف ظاهره بدون بيان كيف، وقد قال: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم) (النساء: 26) وقال: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: 176) ويقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: 44). ويقول: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52). ومن خاطب غيره بما يريد منه خلاف ظاهره بدون بيان فإنه لم يبين له ولم يهده.
أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل؟ فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة؛ لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفراً وباطلاً، ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين.
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله عز وجل من غير تحريف، وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق، فاتفقوا على أن لله تعالى حياة، وعلماً، وقدرة، وسمعاً، وبصراً، حقيقة، وأنه مستوٍ على عرشه حقيقة، وأنه يحب ويرضى، ويكره ويغضب حقيقة، وأن له وجهاً ويدين حقيقة؛ لقوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (الفرقان: 58). وقوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 29). (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة: 120). (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11). وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه: 5). وقوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: 54). (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (المائدة: 119). (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) (التوبة: 46). (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (النساء: 93) وقوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ) (الرحمن: 27). (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان) (المائدة: 64).
فأجروا هذه النصوص وغيرها من نصوص الصفات على ظاهرها وقالوا: إنه مراد على الوجه اللائق بالله تعالى فلا تحريف ولا تمثيل.
وبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم والقدرة، ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون إن المفهوم من حياته وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا، بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين، وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات.
فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسداً وهو التمثيل، فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله "غير مراد"، وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله، فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله "غير مراد" فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مراداً، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مراداً، فيكون قوله خطأ على كل تقدير.
والصواب الذي لا خطأ فيه أن ظاهرها مراد، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله.
فصل
والذين يجعلون ظاهر النصوص معنى فاسداً فينكرونه يكون خطؤهم على وجهين:
الأول: أن يفسروا النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ فينكرونه لذلك، ويقولون إن ظاهره غير مراد.
مثال ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني". الحديث رواه مسلم .
قالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض، ويجوع، ويعطش، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: لو أعطيتم النص حقه لتبين لكم أن هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ، لأن سياق الحديث يمنع ذلك فقد جاء مفسراً بقول الله تعالى في الحديث نفسه: "أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، واستسقاك عبدي فلان فلم تسقه". وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض، ولم يجع، ولم يعطش، وإنما حصل المرض والجوع والعطش من عبد من عباده.
ومثال آخر: قوله تعالى عن سفينة نوح: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (القمر: 14).
قالوا: فظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: دعواكم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله سبحانه مردودة من جهة التركيب اللفظي ومن جهة المعنى أيضاً.
أما التركيب اللفظي: فإنه إذا قال القائل: "فلان يسير بعيني" لم يفهم أحد من هذا التركيب أنه يسير داخل عينيه، ولو أدعى مدع أن هذا ظاهر لفظه لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء، وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية، لأن الباء هنا للمصاحبة وليست للظرفية.
وأما المعنى: فإن من المعلوم أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض كما قال الله تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) (هود: 38). وقال: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ* فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) (القمر:10 - 14) ولا يمكن لأحد أن يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله عز وجل، لأن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره، وعلم أنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس حالاً في شيء من مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته حالاً فيه أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد.
وعلى هذا فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ أن السفينة تجري والله تعالى يكلؤها بعينه.
ومثال ثالث: في الأثر: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه".
قالوا: فظاهر الأثر أن الحجر نفسه يمين الله في الأرض، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: أولاً: هذا الأثر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت والمشهور أنه عن ابن عباس. قلت: قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، وقال ابن العربي: حديث باطل فلا يلتفت إليه. أهـ.
ثانياً: أنه على تقدير صحته صريح في أن الحجر الأسود ليس نفس يمين الله لأنه قال: "يمين الله في الأرض" فقيده في الأرض ولم يطلق، وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق، ومعلوم أن الله تعالى في السماء، ولأنه قال: "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، فالأثر ظاهر في أن مستلم الحجر ليس مصافحاً لله، وليس الحجر نفس يمين الله، فكيف يجعل ظاهره كفراً يحتاج إلى تأويل.
الوجه الثاني: أن يفسروا اللفظ بمعنى صحيح موافق لظاهره، لكن يردونه لاعتقادهم أنه باطل وليس بباطل.
مثال ذلك: قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه: 5).
قالوا: فظاهر الآية أن لله علا على العرش، والعرش محدود فيلزم أن يكون الله سبحانه محدوداً، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: إن علو الله تعالى على عرشه – وإن كان العرش محدوداً – لا يستلزم معنى فاسداً، فإن الله تعالى قد علا على عرشه علواً يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق، ولا يلزم منه أن يكون الله محدوداً، وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله تعالى عالياً على كل شيء وهذا من كماله وكمال صفاته، فكيف يكون معنى فاسداً غير مراد؟!
مثال آخر: قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء) (المائدة: 64).
قالوا: فظاهر الآية أن لله تعالى يدين حقيقتين وهما جارحة، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله عز وجل لا يستلزم معنى فاسداً، فإن لله تعالى يدين حقيقيتين تليقان بجلاله وعظمته، وبهما يأخذ ويقبض، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته، قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (الزمر: 67) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل". فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟!
* وقد يجتمع الخطأ من الوجهين في مثال واحد مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".
فقالوا على الوجه الأول: ظاهر الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
وقالوا على الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول على الوجه الأول: إن كون قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة لا يلزم منه المباشرة والمماسة، ولا أن تكون أصابع الله عز وجل داخل أجوافنا، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: 164). فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض ولا يماسهما.
ويقال: سترة المصلي بين يديه وليست مباشرة له ولا مماسة له.
فإذا كانت البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات فكيف بالبينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض وهو بكل شيء محيط، وقد دل السمع والعقل على أن الله تعالى بائن من خلقه، ولا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك.
ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى لا يستلزم معنى فاسداً، وحينئذ يكون مراداً قطعاً، فإن لله تعالى أصابع حقيقية تليق بالله عز وجل، ولا تماثل أصابع المخلوقين، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: 67). هذا لفظ البخاري في تفسير سورة الزمر. فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟!
ويشبه هذا الخطأ أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) (ص: 75). إنه مثل قوله تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) (يـس: 71). فيكون المراد باليد نفس الفاعل في الآيتين، وهذا غلط فإن الفرق بينهما ثابت من وجوه ثلاثة:
الأول: من حيث الصيغة، فإن الله قال في الآية الأولى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) وهي تخالف الصيغة في الآية الثانية، فإن الله قال فيها: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ولو كانت الأولى نظيرة للثانية لكان لفظها: "لما خلقت يداي" فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليهما في الثانية.
الثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الفعل إلى نفسه معدى بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه. ألا ترى إلى قول القائل: كتبت بالقلم، فإن الكاتب هو فاعل الكتابة، ومدخول الباء وهو القلم حصلت به الكتابة.
وأما الآية الثانية: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه، وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس فكأنه قال: مما عملنا. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم) (الشورى: 30). والمراد بما كسبتم بدليل قوله في آية أخرى: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) (الزمر: 51).
الوجه الثالث: أن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) معدى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه لدلالة التثنية على عدد محصور باثنين، والرب – جل وعلا – إله واحد، فلا يمكن أن يذكر نفسه بصيغة التثنية لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره، ولكنه تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد، وتارة يذكر نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، وربما يدل الجمع على معاني أسمائه.
أما في الآية الثانية فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم، فصار المراد بها نفسه المقدسة جل وعلا.
وبهذا تبين الفرق بين قوله (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ). وقوله: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا)، وأنها ليست نظيراً لها. وتبين أيضاً أن ظاهر النصوص في الصفات حق ثابت مراد لله تعالى على الوجه اللائق به، وأنه لا يستلزم نقصاً في حقه ولا تمثيلاً له بخلقه.
لكن لو كنا نخاطب شخصاً لا يفهم من ظاهرها إلا ما يقتضي التمثيل فإننا نقول له: إن هذا الظاهر الذي فهمته غير مراد، ثم نبين له أن هذا ليس ظاهر النصوص؛ لأنه باطل لا يقتضيه السياق كما سبق بيانه.
القاعدة الرابعة
توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير المترتبة على ذلك
أعلم أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات التي دلت عليها النصوص، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الوهم الذي توهمه؛ فيقع في أربعة محاذير:
الأول: أنه فهم من النصوص صفات تماثل صفات المخلوقين، وظن أن ذلك هو مدلول النص، وهذا فهم خاطئ، فإن الصفة التي دلت عليها النصوص تناسب موصوفها وتليق به.
وتمثيل الخالق بالمخلوق كفر وضلال؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11). ولا يمكن أن يكون ظاهر النصوص الكفر والضلال؛ لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء: 26). وقوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: 176).
الثاني: أنه جنى على النصوص؛ حيث نفى ما تدل عليه من المعاني الإلهية، ثم أثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهر اللفظ، فكان جانياً على النصوص من وجهين.
الثالث: أنه نفى ما دلت عليه النصوص من الصفات بغير علم فيكون بذلك قائلاً على الله ما لا يعلم، وهذا محرم بالنص والإجماع، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33).
الرابع: أنه إذا نفى عن الله عز وجل ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال لزم أن يكون الله – سبحانه – متصفاً بنقيضها من صفات النقص؛ وذلك لأنه ما من موجود إلا وهو متصف بصفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات، فإذا انتفت صفة الكمال عنها، لزم اتصافها بصفات النقص.
وحينئذٍ يكون من نفى عن الله تعالى ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال متعدياً في حق الله تعالى، حيث جمع بين نفي صفات الكمال عنه، وتمثيله بالمنقوصات والمعدومات، بل قد يرتقي به الغلو في النفي إلى تمثيله بالممتنعات المستحيلات.
ويكون أيضاً جانياً على النصوص حيث عطلها عما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى، وأثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهرها، فيجمع بين النفي والتمثيل في صفات الله، وبين التحريف والتعطيل في نصوص الكتاب والسنة، ويكون ملحداً في أسماء الله وآياته، وقد قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180). وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (فصلت:40).
مثال ذلك: أن الله تعالى أخبر عن نفسه أنه استوى على العرش فيتوهم واهم أنه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، وأنه محتاج إلى العرش كحاجة الإنسان للأنعام والفلك، فلو عثرت الدابة لخر المستوي عليها، ولو انخرقت السفينة لغرق المستوي عليها، فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب على قياسه الفاسد. فينفي بذلك حقيقة الاستواء، ومنشأ هذا الوهم الذي توهمه في استواء الله على عرشه ظنه أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وهذا ظن فاسد؛ لأن الله تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، لم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق، فتعين أن يكون استواءً خاصاً يليق به كسائر صفاته وأفعاله لا يماثل استواء المخلوقين، كما أن الله نفسه لا يماثل المخلوقين.
ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) (الذريات: 47). هل يتوهم أحد أن بناءه إياها كبناء المخلوق سقف البيت، بحيث يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن، وجبل طين ونحو ذلك، فإذا كان لا يحتاج إلى ذلك في هذا الفعل من أفعاله، لزم أن لا يكون محتاجاً إلى العرش في استوائه عليه، بل هو سبحانه الغني عن العرش وغيره.
فتجد هذا الذي نفى حقيقة الاستواء الذي هو ظاهر النصوص وقع في تلك المحاذير الأربعة:
1- فقد مثل ما فهمه من استواء الله على عرشه باستواء المخلوقين.
2- وعطل النصوص عما دلت عليه من صفة الاستواء اللائق بالله، ثم حرفها إلى معان لا تدل عليها.
3- وكان نفيه لذلك وتعطيله بلا علم، بل عن جهل وظن فاسد.
4- ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها الاستواء ثبوت صفة نقص بفوات هذا الكمال.
مثال آخر: قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) (الملك:16). فيتوهم واهم أن الله تعالى داخل السماء، وأن السماء تحيط به كما لو قلنا: فلان في الحجرة فإن الحجرة محيطة به، فينفي بناء على هذا الوهم كون الله تعالى في السماء ويقول: إن الذي في السماء ملكه وسلطانه ونحو ذلك.
ومنشأ هذا الوهم ظنه أن (في) التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع مواردها، وهذا ظن فاسد، فإن (في) يختلق معناه بحسب متعلقها فإنه يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق المكتوب فيه، فلو قيل: هل العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء مع أن العرش أكبر من السماء كثيراً.
وعلى هذا فيخرج قوله: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) على أحد وجهين:
أما أن تكون السماء بمعنى العلو، فإن السماء يراد بها العلو كما في قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) (النمل: 60). والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض لا من السماء نفسها، فيكون معنى كونه تعالى في السماء أنه في العلو المطلق فوق جميع المخلوقات، وليس هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء سوى الله تعالى.
وإما أن تكون (في) بمعنى (على) كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) (آل عمران: 137). أي على الأرض، وقوله عن فرعون: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع النخل) (طـه: 71). أي على جذوع النخل، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (الملك: 16). أي على السماء أي فوقه، والله تعالى فوق السموات وفوق كل شيء.
فتجد هذا الذي نفى أن يكون الله في السماء حقيقة وقع في المحاذير الأربعة:
1- فقد مثل ما فهمه من كون الله تعالى في السماء بكون المخلوق في الحجرة ونحو ذلك.
2- وعطل النصوص عما دلت عليه من علو الله تعالى في السماء، ثم حرفها إلى معان لا تدل عليها.
3- وكان نفيه وتعطيله بلا علم، بل عن جهل وظن فاسد.
4- ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها كونه في السماء ثبوت صفة النقص؛ لأن نفيه لصفة العلو يستلزم أحد أمرين ولابد:
فإما أن يكون الله تعالى في كل مكان بذاته، والقول بهذا في غاية الضلال والكفر، لأنه يستلزم إما تعدد الخالق، وإما تبعضه، ويستلزم كذلك أن يكون في محلات القذر والأذى التي يتنزه عنها كل ذي مروءة، فضلاً عن الخالق.
وإما أن يكون الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا متصلاً ولا منفصلاً، ولا مبايناً ولا محايثاً، ونحو ذلك من العبارات المتضمنة للتعطيل المحض، وحقيقة هذا نفي وجود الخالق جل وعلا.
القاعدة الخامسة
في علمنا بما أخبر الله تعالى به عن نفسه
ما أخبرنا الله به عن نفسه فهو معلوم لنا من جهة، ومجهول من جهة. معلوم لنا من جهة المعنى، ومجهول لنا من جهة الكيفية.
أما كونه معلوماً لنا من جهة المعنى فثابت بدلالة السمع، والعقل.
فمن أدلة السمع قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29). وقوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: 82). وقوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24) وقوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
فحث الله تعالى على تدبر القرآن كله ولم يستثن شيئاً منه، ووبخ من لم يتدبره، وبين أن الحكمة من إنزاله أن يتدبره الذين أنزل إليهم ويتعظ به أصحاب العقول، ولولا أن له معنى يعلم بالتدبر لكان الحث على تدبره من لغو القول، ولكان الاشتغال بتدبره من إضاعة الوقت، ولفاتت الحكمة من إنزاله، ولما حسن التوبيخ على تركه.
والحث على تدبر القرآن شامل لتدبر جميع آياته الخبرية العلمية والحكمية العملية، فكما أننا مأمورون بتدبر آيات الأحكام لفهم معناها والعمل بمقتضاها، إذ لا يمكن العمل بها بدون فهم معناها، فكذلك نحن مأمورون بتدبر آيات الأخبار لفهم معناها، واعتقاد مقتضاها، والثناء على الله تعالى بها، إذ لا يمكن اعتقاد ما لم نفهمه، أو الثناء على الله تعالى به.
وأما دلالة العقل على فهم معاني ما أخبر الله تعالى به عن نفسه فمن وجهين:
أحدهما: أن ما أخبر الله به عن نفسه أعلى مراتب الإخبار وأغلى مطالب الأخيار، فمن المحال أن يكون ما أخبر الله به عن نفسه مجهول المعنى، وما أخبر به عن فرعون، وهامان، وقارون، وعن قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم، معلوم المعنى مع أن ضرورة الخلق لفهم معنى ما أخبر الله به عن نفسه أعظم وأشد.
الوجه الثاني: أنه من المحال أن ينزل الله تعالى على عباده كتاباً يعرفهم به بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، ويصفه بأنه عليِّ حكيم كريم عظيم مجيد مبين بلسان عربي ليعقل ويفهم . ثم تكون كلماته في أعظم المطالب غير معلومة المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يعلمها الناس إلا أماني، ولا يخرجون بعلمها عن صفة الأمية كما قال تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِي) (البقرة: 78).
فإن قلت: ما الجواب عن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران: 7)، فإن هذا يقتضي أن في القرآن آيات متشابهات لا يعلم تأويلهن إلا الله؟
قلنا: الجواب أن للسلف في الوقف في هذه الآية قولين:
أحدهما: الوقف عند قوله: (إلا الله) وهو قول جمهور السلف والخلف، وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، لا التفسير الذي هو بيان المعنى. فتأويل آيات الصفات على هذا هو حقيقة تلك الصفات وكنهها، وهذا من الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل ولم يرد بها السمع فلا يعلمها إلا الله.
الثاني: الوصل فلا يقفون على قوله: (إلا الله) وهو قول جماعة من السلف والخلف، وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) التفسير الذي هو بيان المعنى. وهذا معلوم للراسخين في العلم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله". وقال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها".
وبهذا تبين أن الآية لا تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم معناه إلا الله تعالى، وإنما تدل على أن في القرآن شيئاً لا يعلم حقيقته وكنهه إلا الله على قراءة الوقف، وتدل على أن الراسخين في العلم يعلمون معنى المتشابه الذي يخفى على كثير من الناس على قراءة الوصل، وعلى هذا فلا تعارض مع ما ذكرناه من أنه ليس في القرآن شيء لا يعلم معناه.
فصل
وأما كون ما أخبرنا الله به عن نفسه مجهولاً لنا من جهة الكيفية فثابت بدلالة السمع والعقل.
فأما دلالة السمع فمن وجهين:
الأول: قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طـه:110) فإن نفي الإحاطة بالله علماً شامل للإحاطة بذاته وصفاته، فلا يعلم حقيقة ذاته وكنهها إلا هو سبحانه وتعالى، وكذلك صفاته.
الثاني: أن الله أخبرنا عن ذاته وصفاته، ولم يخبرنا عن كيفيتها، وعقولنا لا تدرك ذلك، فتكون الكيفية مجهولة، لنا، لا يحل لنا أن نتكلم فيها أو نقدرها بأذهاننا لقوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36)
وقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33).
وأما دلالة العقل على ذلك: فلأن الشيء لا تدرك كيفيته إلا بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره المساوي له، أو الخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية ذات الله تعالى وصفاته، فتكون كيفية ذات الله وصفاته مجهولة لنا.
وأيضاً فإننا نقول: ما هي الكيفية التي تقدرها لذات الله تعالى وصفاته؟! إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، أو تنطق بها بلسانك فالله أعظم وأجل من ذلك، وإن أي كيفية تقدرها في ذهنك، أو تنطق بها بلسانك فستكون كاذباً فيها؛ لأنه ليس لك دليل عليها.
تتمة
بهذا التقرير الذي تبين به أنه لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا يعلم معناه إلا الله – يتبين بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني آيات الصفات، ويدعون أن هذا هو مذهب السلف، وقد ضلوا فيما ذهبوا إليه، وكذبوا فيما نسبوه إلى السلف، فإن السلف إنما يفوضون علم الكيفية دون علم المعنى، وقد تواترت النقول عنهم بإثبات معاني هذه النصوص إجمالاً أحياناً، وتفصيلاً أحياناً، فمن الإجمال قوله: "أمروها كما جاءت بلا كيف" ومن التفصيل ما سبق عن مالك في الاستواء.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" المعروف باسم "العقل والنقل" (1/16) المطبوع على هامش منهاج السنة (1/201) تحقيق رشاد سالم: "وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله". إلى أن قال: "فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه". قال: "ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقاً لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعد، أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين الناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلاً عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد". أهـ كلامه رحمه الله.
فصل
في التأويل
التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه، من الأول وهو الرجوع.
وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المرادة منه بشرح معناه أو حصول مقتضاه، ويطلق على ثلاثة معان:
الأول: "التفسير" وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به، ومنه قوله تعالى عن صاحبي السجن يخاطبان يوسف: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) (يوسف: 36). وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". وسبق قول ابن عباس رضي الله عنهما: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله". ومنه قول ابن جرير وغيره من المفسرين "تأويل قوله تعالى" أي تفسيره.
والتأويل بهذا المعنى معلوم لأهل العلم.
المعنى الثاني: مآل الكلام إلى حقيقته، فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه، وذلك في حق الله كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب.
مثال الخبر: قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ) (الأعراف: 53). أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا وقوع حقيقة ما أخبروا به من البعث والجزاء، ومنه قوله تعالى عن يوسف: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) (يوسف: 100).
ومثال الطلب: قول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن. أي يمتثل ما أمره الله به في قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر: 1-3).
وتقول: فلان لا يتعامل بالربا يتأول قول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: 275).
والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً.
فأما قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران: 7). فيحتمل أن يكون المراد بالتأويل فيها التفسير، ويحتمل أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته بناء على الوقف فيها والوصل. فعلى قراءة الوقف عند قوله: (إلا الله). يتعين أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته؛ لأن حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر لا يعلمها إلا الله عز وجل. وعلى قراءة الوصل يتعين أن يكون المراد به التفسير، لأن تفسيره معلوم للراسخين في العلم فلا يختص علمه بالله تعالى.
فنحن نعلم معنى الاستواء أنه العلو والاستقرار، وهذا هو التأويل المعلوم لنا، لكننا نجهل كيفيته وحقيقته التي هو عليها، وهذا هو التأويل المجهول لنا. وكذلك نعلم معاني ما أخبرنا الله به من أسمائه وصفاته، ونميز الفرق بين هذه المعاني فنعلم معنى الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر ونحو ذلك، ونعلم أن الحياة ليست هي العلم، وأن العلم ليس هو القدرة، وأن القدرة ليست هي السمع، وأن السمع ليس هو البصر، وهكذا بقية الصفات والأسماء، لكننا نجهل حقائق هذه المعاني وكنهها الذي هي عليه بالنسبة إلى الله عز وجل.
وهذا المعنيان للتأويل هما المعنيان المعروفان في الكتاب والسنة وكلام السلف.
المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه، وإن شئت فقل: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر لدليل يقتضيه، وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين الذين تكلموا في الفقه وأصوله، وهو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل هو حق أو باطل؟
والتحقيق: أنه إن دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير؛ لأن تفسير الكلام تأويله إلى ما أراده المتكلم به سواء كان على ظاهره، أم على خلاف ظاهره ما دمنا نعلم أنه مراد المتكلم.
مثال ذلك: قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوه) (النحل: 1). فإن الله تعالى يخوف عباده بإتيان أمره المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى بدليل قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوه). ومنه قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل: 98). فإن ظاهر اللفظ إذا فرغت من القراءة، والمراد إذا أردت أن تقرأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ لا إذا فرغ من القراءة.
وإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلاً مذموماً، وجديراً بأن يسمى تحريفاً لا تأويلاً.
مثال ذلك: قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه: 5) . فإن ظاهره أن الله تعالى علا على العرش علواً خاصاً يليق بالله عز وجل، وهذا هو المراد، فتأويله إلى أن معناه استولى وملك تأويل باطل مذموم، وتحريف للكلم عن مواضعه؛ لأنه ليس عليه دليل صحيح.
فصل
اعلم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه. فالأول كقوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (يونس: 1). والثاني كقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً) (الزمر: 23). والثالث كقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران: 7).
فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو: الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، فألفاظ القرآن كله في أكمل البيان والفصاحة والبلاغة، ومعانيه أكمل المعاني وأجلها وأنفعها للخلق حيث تتضمن كمال الصدق في الأخبار، وكمال الرشد والعدل في الأحكام، كما قال الله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً) (الأنعام: 115).
والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو: تشابه القرآن في الكمال والإتقان والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضاً في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضاً في الأخبار كما قال الله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: 82).