بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
باب إحياء الموات
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم [
هذا هو تعريف الموات .
منفكة عن الاختصاص : كالأفنية والطرق ومسايل الماء وحريم النهر ونحو ذلك فهذه فيها منفعة عامة أو خاصة هي من الاختصاصات وليست ملكاً لمعصوم أي معصوم المال سواء كان مسلماً أو ذمياً فهذه الأرض هي الموات فمن أحياها فقد ملكها ، ولذا:
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فمن أحياها فقد ملكها [ .
لما روى البخاري من حديث عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من عمَّر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق بها " قال عروة : وقضى بذلك عمر في خلافته ) وروى الثلاثة والحديث حسنه الترمذي وهو حسن لشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – من حديث أبي سعيد الخدري : ( من أحيا أرضاً ميتةً فهي له) و من أحياء أرضاً خراباً قد أندرست و لا يعلم لها مالك فهي له .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] من مسلم وكافر [ .
سواء كان المحيي مسلماً أو كان كافراً ذمياً فللذمي أن يحيي ، فإذا سبق الذمي إلى أرض فأحياها بزرع أو بناء أو نحو ذلك فهي ملك له أيضاً وهذا هو مذهب الجمهور .
ودليل ذلك : عموم الحديث المتقدم : ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ) .
ومنع الشافعية من ذلك في الذمي ، وقالوا : إذا أحيا الذمي أرضاً أي في البلاد التي هي ملك للمسلمين فهي ليست له.
واستدلوا بما روى البيهقي بإسناد صحيح إلى طاووس وهو من التابعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عادي الأرض ) أي قديمها نسبةً إلى عاد ( لله ورسوله ثم لكم بعدُ ) فالراجح : مذهب الجمهور لعموم الحديث ولأن الأرض يملك – في البلاد الإسلامية – يملك بماله في الشراء ويملك بالهبة ، فإذا وهب أو أشترى فإنه يملك فكذلك إذا سبق إلى أرض فأحياها فهي ملك له .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وهي الأرض المنفكة ....... [ . وفي قوله بعد ذلك:
] في دار الإسلام وغيرها والعنوة كغيرها [ .
في هذا ما يدل على أن الإحياء عام في كل أرضٍ ، سواء كانت هذه الأرض في البلاد الإسلامية أو غيرها ، وسواء كانت قد فتحت عنوة كأرض الشام ومصر والعراق ، أو فتحت صلحاً ، لعموم قوله : ( من عمر أرضاً ) ولقوله : ( من أحيا أرضاً ميتة ) فأي أرض ينفذ فيها حكم الإسلام فيحييها مسلم أو ذمي فهي له .
وعند الحنابلة في المشهور عندهم : أن الأرض إذا فتحت صلحاً على أن الأرض للكفار فإذا أحياها مسلم فليست له لأن البلد لهم و الموات تابع لهم.
فإذن : من أحيا أرضاً مواتاً فهي له سواء كانت البلاد التي هي فيها فتحت عنوة كأرض الشام ومصر والعراق أو فتحت صلحاً على أن تكون الأرض للمسلمين.
وهذا من تشوف الشارع إلى إحياء الأرض وتعميرها ، ومن القيام بأمر الدنيا ، فالدين الإسلامي قائم بمصلحة الدين والدنيا .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] بإذن الإمام وعدمه [ .
أي سواء أذن الإمام أم لم يأذن ، فلا يشترط إذن الإمام هذه هو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور ، ومنع من ذلك الأحناف ، وقالوا : بل يشترط إذن الإمام .
والراجح هو الأول لعموم الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ) ولم يشترط في ذلك إذن الإمام ولأنها عين مباحة فلم تفتقر إلى إذن الإمام كالاحتطاب ونحوه لكن إن منع من إحياء أرض ، كما يمنع – في الغالب – من إحياء الأرض التي تكون حول المدن مراعاةً لمصلحة أو نحو ذلك – فإنه حينئذ – يمنع من الإحياء ، وذلك لأن منعه من إحيائها يعني اختصاصها ، وأنها أصبحت مختصة ومعدة لمنفعة عامة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته [
( بمصلحته ) : الضمير يعود إلى العامر أي هذا الإحياء ليس مختصاً بالأراضي النائية البعيدة عن المدن بل هو عام فيها وفي غيرها من الأراضي القريبة إلى المدن وليس فيها اختصاص ، فلا تكون مقبرة أو ملقى كناسة أو طريقاً أو مركب خيل أو مصلى عيد أو نحو ذلك مما فيه مصلحة عامة .
فإذا لم يكن هذا الموضع القريب من الأرض العامرة لمصلحتها ، فإن له أن يحييه لعموم الحديث المتقدم : ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ) وهذه أرض موات .
ومنع منه الأحناف ، لأنه يحتمل أن يحتاج إليه للمصلحة العامة والراجح الأول ؛ لأن هذا الاحتمال لا يمنع الحق ، فهذا حق له وهذا مجرد احتمال .
لكن للإمام – كما تقدم – أن يمنع من إحياء المواضع القريبة من المدن ، بل ينبغي له أن يمنع من الإحياء ترجيحاً للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] من أحاط مواتاً ........ إلى أن قال : فقد أحياه [ .
إذا أتى إلى أرض منفكة من الاختصاصات وليست ملكاً لمعصوم ، أتى إليها فوضع عليها حائطاً منيعاً سواء كان من طينٍ أو غيره مما تحاط به الأرض ، فهي له وإن لم يزرعها.
واستدلوا : بما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحاط حائطاً على أرض فهي له ) وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد كابن عقيل والقاضي والموفق وغيرهم : أن الإحياء مرجعه إلى العرف .
فإذا أحياها عرفاً فهذا هو الإحياء المعتبر ، وكونه يحيطها بحائط من غير أن يسقفه إن كان البناء للسكن ، ومن غير أن يجري على هذه الأرض الماء إن كان للزرع أو الغراس ، فإن هذا ليس إحياء وهذا القول هو الأرجح لقوله – عليه السلام : ( من أحياء ومن أحاط حائطاً فإنه ليس بمحيي ) وعليه فقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أحاط حائطاً على أرض فهي له ) هذا بالنظر إلى ما يؤوله إليه الأمر ، أي هو أحق بالأرض ، فإذا سقف هذا الحائط أو زرع أو غرس فهي له فإذا أحاط حائطاً فهو أحق بها من غيره لكن لا تكون ملكاً له حتى يحيها ، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : ( من عمر أرضاً ) وهذا في الحقيقية لم يعمرها فالراجح أن مرجع ذلك إلى العرف .
فعليه إذا أحاطها بحائطٍ وحفر فيها بئراً أو أجرى إليها الماء من النهر أو من العيون أو من السدود واشتغل في الأرض وهذا هو الإحياء لها وإذا كانت للسكن فإذا أحاطها وسقفها وهذا هو إحياؤها .
قال الحنابلة : إذا تحجر أرضاً فهو أحق بها أي وليست ملكاً له .
فإذا أحاطها بحجر أو بتراب فإنه لا يملكها لكنه أحق بها من غيره فليس لأحدٍ أن يسبق إلى إحيائها ، ومثل ذلك على الراجح لو أحاطها بحائط وذلك لأنه سبق إليها فهو أحق بها .
وحينئذ فيمهله الإمام ليحيها .
قالوا : يمهله الشهرين والثلاثة ، ويقول له : إما أن تحييها وإما أن تتركها – هذا هو المشهور في المذهب.
وقال بعض الحنابلة وهو الصواب : التحديد مرجعه إلى الحاكم ، وهذا يختلف باختلاف الأزمنة وبعد الأرض عن المالك ، والآليات التي تصلح بها الأرض ، فيمهله مدة معلومة تكفيه ليتمكن من إحيائها فإذا لم يحيها فإنه ينزعها من يده .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو حفر بئراً فوصل إلى الماء أو أجراه إليه من عين أو نحوها أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه [ .
قوله : ( أو حبسه عنه ليزرع ) : أي حبس الماء عن الزرع ليزرع فإن من الزرع ما يحتاج إلى حبس الماء عنه ، فإذا كان الماء يسيل إلى جهة الأرض فأخذ يشتغل بإيقاف الماء عن هذه الجهة من الأرض ليزرع فإن هذا إحياء ، وإذا اشتغل بإزالة الأحجار ونحوها عن الأرض ، وإصلاحها بالأسمدة ونحو ذلك فهذا أيضاً إحياءٍ لها .
( فقد أحياه ) وتقدم أن الراجح أن مرجع ذلك إلى العرف .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويملك حريم البئر العادية خمسين ذراعاً من كل جانب ، وحريم البديَّة تصنعها [ .
الحريم : هو ما يمنع غير المالك من التصرف فيه فهذا الحافر للبئر ، يملك من الأرض ما حفرها وحريمه وسمي بذلك لأن غيره يحرم عليه أن يتصرف فيه .
وحريم البئر العادية : " والعادية نسبة إلى عاد " وهي البئر القديمة ، حريمها خمسون ذراعاً أي نحو خمس وعشرين متراً من كل جهة ، فإذا كان هناك بئر قديم فاشتغل بإصلاحه وإخراج الماء منه فإنه يملك حينئذ خمسين ذراعاً من كل جهة أي البئر التي تحفر لسقيا الدواب لا للزرع.
وحريم البئر البديَّة أي الحديثة نصف ذلك أي خمساً وعشرين ذراعاً .
ودليل هذه المسألة ما روى أبو داود في مراسيله بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب أنه قال : ( السنة أن يكون حريم البئر العادية خمسين ذراعاً ، وحريم البَدية خمسةً وعشرين ذراعاً ) وله شاهد مرسل عن الزهري عند أبي داود في مراسيله أيضاً .
فإن كان شجراً أو نخيلاً ، فإن حريمها ما اقتدت إليه أغصانها وفي النخل بقدر جريدها ، فإذا غرس نخلة في أرض موات فإنه يملك موضع النخلة وما حولها بقدر الجريد وإن كانت أشجاراً سوى النخيل فإنه يملك بقدر الأغصان .
ودليل هذا ما ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد قال : ( اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حريم نخلٍ ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجريدة من جريدها فوجدت سبعة أذرع أو خمسة أذرع فقضى بذلك ) وأما حريم النهر وغيره فإنه بقدر ما يحتاج إليه وهكذا سوى ذلك .
فمثلاً عندما يبني داراً فإنه يحتاج إلى شيء من الأراضي الخارجة عن داره كموضع الخروج والدخول ونحو ذلك فيترك له بقدر ما يحتاج إليه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وللإمام إقطاع موات لمن يحييه ولا يملكه [ .
تقدم تعريف الموات وأنها الأرض المنفكة عن الاختصاصات وعن ملك معصوم و من يقوم مقامه.
وللإمام أن يقطع من رعيته ما شاء من الموات لمن يحييه أي لمصلحة إحيائه .
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أقطع الزبير بن العوام نخلاً ) وفي سنن أبي داود والترمذي وحسنه وهو كما قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أقطع وائل بن حجر أرضاً في حضر موت ) لكن لا يملكه بالإقطاع بل يملكه بالإحياء ، فإذا أقطعه أرضاً للسكنى أو للزراعة أو للغراس فلا يملكها إلا بالبناء إن كانت للسكنى أو بالزراعة إن كانت للزراعة أو بالغراس إن كانت للغراس وهو أحق بها لكن لا يملكها إلا بإحيائها ودليل ذلك ما ثبت في البيهقي – والأثر حسن – ( إن عمر بن الخطاب أخذ من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته مما أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم ) فقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المعادن القبيلَّه – كما سيأتي ذكره – فلما ولي عمر نزع عنه ما عجز عن عمارته ، ولو كان يملكها بالإقطاع لما نزعها منه ، هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور فلا يملكها بالإقطاع ، بل هو أحق بها أي بأن يسبق غيره – في غرسها أو زراعتها أو بنايتها .
وحينئذ : إن لم يحييها فإن الإمام يمهله زمناً يتمكن بمثله من إحيائها ، وإلا فإنه ينزعها منه كما تقدم تقريره وعليه : فإنه ليس له أن يبيعها هذا هو المشهور في المذهب .
قالوا : لأنها لا تملك إلا بالإحياء وهو لم يحييها فإذن لا تكون ملكاً له .
وقال بعض أهل العلم وهو قول في مذهب الإمام أحمد : أنه يجوز له أن يبيعها وذلك لأنه أحق بها ، فهي من اختصاصاته وهو وإن لم يملكها لكنها اختصاص له .
وهذا هو القول الراجح ، ويدل عليه ما روى أبو داود بإسناد جيد : أن جُهنيين لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك في الرحبه فقال : ( من أهل ذي المروءة فقيل له : بنو رفاعة من جهينة ، فقال : قد أقطعتها ) أي الرحبة ( لبني رفاعة ) قال الرواي فمنهم من باع ، ومنهم من أمسك فعمل .
وهذا هو القول الراجح ، وأن من أقطع أرضاً لسكناها أو لزراعتها أو حجرها تحجيراً أي حوطها بالأحجار أو بالتراب أو نحو ذلك وهو أحق بها وله بيعها لأنها من اختصاصاته .
فإن أقطع ووجد فيها سواء كانت معادن باطنة كالذهب والفضة ، أو كانت معادن ظاهرة كالملح والكحل ، والمعادن الظاهرة هي التي لا تحتاج إلى حفر وإنما تكون ظاهرة على الأرض وقد تحتاج إلى كشف يسير ، وأما المعادن الباطنة فهي التي تحتاج إلى حفر وعمل فإذا أقطع أرضاً فوجد فيها معدناً من المعادن سواء كان ظاهراً وباطناً فهو له ؛ لأنه في ملكه فهو مالك للأرض وما فيها .
وهل للإمام أن يقطع أرضاً فيها معادن ؟ و هل إذا أحياها تكون له؟
أما المعادن الظاهرة فليس للإمام بالاتفاق أن يقطعها ، كأن تكون أرض فيها ملح ، فليس للإمام أن يقطعها وذلك لما فيه من الأضرار بالناس ، فالناس يشتركون فيها كما يشتركون في الكلأ ونحوه ، ولذا روى الأربعة إلا النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أقطع أبيض ابن حمّال معدِن الملح بمأرب فقيل له : إنما قطعت له الملح العدَّ " أي الملح الذي هو كالماء الجاري على الأرض " فانتزعه منه ) أما المعدن الباطنة التي تحتاج إلى حفرٍ وعمل فقولان في المسألة :
1- القول الأول : وهو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية أنه ليس له ذلك أيضاً ، كالمعادن الظاهرة فإذا أحياها فليست له كذلك.
2- والقول الثاني : في مذهب الإمام الشافعي إلى جواز ذلك ، ما لم يكن فيه ضرر .
وهذا القول الراجح ، ودليله ما ثبت في أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم :
( أقطع بلال بن الحارث المعادن القبليَّه جليسها وغوريها ) الجليس هي الأرض المرتفعة والغوري : هي الأرض المنخفضة ولأنه يحتاج إلى حفر وعمل فأشبه إحياء الأرض بالزرع هذا ما لم يكن في ذلك تفويت مصلحة عامة ، فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ، ولكن الإمام قد يحتاج إلى مثل هذا لتأليف قلب أمير من الأمراء كأمير قبيلة أو نحو ذلك .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس[
فللإمام أن يقطع في الطرق الواسعة ، وأيضاً في رُحَب المساجد التي لا تحوط ، وهي ما تسمى عندنا مواقف السيارات ونحوها – فله أن يقطع الجلوس فيها للبيع والشراء ولمن أقطع أن يضع فيها شيئاً لمنع الحر والبرد ومنع الشمس ونحو ذلك ، كالمظلات ونحوها ما لم يضر بالناس بأن يضيق على الناس طرقهم فلا يجوز لحديث : ( لا ضرر ولا ضرار ) والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن غير إقطاع لمن سبق بالجلوس ما بقى قماشة وإن طال [ .
فيجوز لآحاد الناس من غير أن يقطعهم الإمام ، يجوز لهم أن يجلسوا في الطرق الواسعة من غير إضرار بالناس للبيع والشراء هذا جائز من غير أن يقطعهم الإمام .
وذلك لأنه شيء مباح ومن سبق إلى مباح فهو أحق به .
وقوله : ( ما بقي قماشة وإن طال ) أي قماشة الذي يعرض عليه بضاعته .
قال صاحب المغني وغيره : ( مازال عمل الناس في الأمصار وفي كل الأعصار على هذا من غير نكير ) ولكن إن منع من ذلك الإمام فلا يفعل ذلك حتى لا يفتات عليه ولا يتعدى على حقه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن سبق اثنان اقترعا [ .
إن سبق اثنان إلى موضع للبيع والشراء في طريق واسع ، فإنه يوضع بينهما قرعة وذلك لأنهما قد ازدحما على شيء ولا مرجح لأحدهما على الأخر والقرعة يعمل بها حينئذ فإذا ازدحم اثنان فأكثر على حقٍ ولم يكن لأحدهما مرجح فليس لأحدهما ميزة على الآخر فحينئذ تكون القرعة كما قال تعالى : ) فساهم فكان من المدحضين ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين - : ( يقرع بين نسائه إذا أراد السفر ) .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسل إلى من يليه [ .
إذا كانت هناك مزارع أو بساتين ، وكان الماء الذي تسقى به هذه البساتين وهذه المزارع يرد إليها من نهرٍ أو عين أو سد أو نحو ذلك ، فحينئذ يسقى الأعلى فالأعلى ، فأعلى واحد منهم يدخل الماء إلى مزرعته فإذا وصل الماء إلى كعبيه يرسله إلى جاره ، فإذا وصل الماء إلى كعبيه أرسله الآخر إلى من يليه وهكذا ، والأعلى فالأعلى .
ودليل هذا : ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر ) والجَدْر هو التراب الذي يرفع حول النخيل ونحوها لإمساك الماء فإذا بلغ الجدر وهو تمام حاجة الزرع وتمام حاجة النخيل فيرسله إلى من يليه وهكذا .
وفي أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قضى في سبيل مهزور" وهو وادٍ في المدينة " أن يمسك الماء حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى فالأعلى ) .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وللإمام دون غيره مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم [
فللإمام الأعظم دون غيره ، حمى مرعى لدواب المسلمين أي أن يمنع الدواب الأخرى من هذا المرعى ، فيحوط هذا المرعى ويجعله خاصاً بدواب المسلمين ، كأن يجعلها لخيل القتال ولإبل الصدقة وليس هذا لغير الإمام بل هو خاص بالإمام الأعظم لدواب المسلمين ويدل على هذا ما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) فالحمى محرم إلا ما تحميه الإمام لدواب المسلمين خاصة وهذا كله ما لم يضر بالناس ، فليس له أن يحمي حمى يضر عامة الناس ، فالمصلحة العامة راجحة .
و المذهب أن من نزل عن وظيفة من إمامة أو خطابة أو تدريس و نحو ذلك فمستحقها منزول له إن كان أهلاً و إلا فللناظر تولية مستحقها شرعاً و للنازل الرجوع لأنه لم يحصل منه رغبة مطلقة من وظيفته.
وقال شيخ الإسلام بل له أي الناظر أن يولي المستحق شرعاً.
و الله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين